ابن عطية الأندلسي
219
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
يَشاءُ ، أي كما هديناكم إلى قبلة إبراهيم وشريعته كذلك جعلناكم أمة وسطا ، و أُمَّةً مفعول ثان ، و وَسَطاً نعت ، والأمة القرون من الناس ، و وَسَطاً معناه عدولا ، روي ذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وتظاهرت به عبارة المفسرين ، والوسط الخيار والأعلى من الشيء ، كما تقول وسط القوم ، وواسطة القلادة أنفس حجر فيها ، والأمير وسط الجيش ، وكقوله تعالى قالَ أَوْسَطُهُمْ [ القلم : 28 ] ، والوسط بإسكان السين ظرف مبني على الفتح ، وقد جاء متمكنا في بعض الروايات في بيت الفرزدق : فجاءت بملجوم كأن جبينه * صلاءة ورس وسطها قد تفلقا برفع الطاء والضمير عائد على الصلاءة ، وروي بفتح الطاء والضمير عائد على الجائية ، فإذا قلت حفرت وسط الدار أو وسط الدار فالمعنى مختلف . قال بعض العلماء : أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم لم تغل في الدين كما فعلت اليهود ، ولا افترت كالنصارى ، فهي متوسطة ، فهي أعلاها وخيرها من هذه الجهة ، وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « خير الأمور أوساطها » أي خيارها ، وقد يكون العلو والخير في الشيء لما بأنه أنفس جنسه ، وأما أن يكون بين الإفراط والتقصير فهو خيار من هذه الجهة و شُهَداءَ جمع شاهد في هذا الموضع . واختلف المفسرون في المراد ب النَّاسِ في هذا الموضع ، فقالت فرقة : هم جميع الجنس ، وأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم تشهد يوم القيامة للأنبياء على أممهم بالتبليغ ، وذلك أن نوحا تناكره أمته في التبليغ ، فتقول له أمة محمد نحن نشهد لك ، فيشهدون ، فيقول اللّه لهم : كيف شهدتم على ما لم تحضروا ؟ ، فيقولون : أي ربنا جاءنا رسولك ونزل إلينا كتابك فنحن نشهد بما عهدت إلينا وأعلمتنا به ، فيقول اللّه تعالى : صدقتم ، وروي في هذا المعنى حديث صحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وروي عنه أن أمته تشهد لكل نبي ناكره قومه ، وقال مجاهد : معنى الآية تشهدون لمحمد صلى اللّه عليه وسلم أنه قد بلغ الناس في مدته من اليهود والنصارى والمجوس . وقالت طائفة : معنى الآية يشهد بعضكم على بعض بعد الموت كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين مرت به جنازة فأثني عليها بالخير ، فقال : وجبت ، ثم مر بأخرى ، فأثني عليها بشرّ ، فقال : وجبت ، يعني الجنة والنار ، فسئل عن ذلك ، فقال : « أنتم شهداء اللّه في الأرض » ، وروي في بعض الطرق أنه قرأ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ . وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً قيل : معناه بأعمالكم يوم القيامة ، وقيل : عليكم بمعنى لكم أي يشهد لكم بالإيمان ، وقيل : أي يشهد عليكم بالتبليغ إليكم . وقوله تعالى : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها الآية ، قال قتادة والسدي وعطاء وغيرهم : القبلة هنا بيت المقدس . والمعنى لم نجعلها حين أمرناك بها أولا إلا فتنة لنعلم من يتبعك من العرب الذين إنما يألفون مسجد مكة ، أو من اليهود على ما قال الضحاك من أن الأحبار قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : إن بيت المقدس هو قبلة الأنبياء ، فإن صليت إليه اتبعناك ، فأمره اللّه بالصلاة إليه امتحانا لهم فلم يؤمنوا ، وقال