ابن عطية الأندلسي
214
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
بمعنى بل وألف الاستفهام معا ، و « شهداء » جمع شاهد أي حاضر ، ومعنى الآية حضر يعقوب مقدمات الموت ، وإلا فلو حضر الموت لما أمكن أن يقول شيئا ، وقدم يعقوب على جهة تقديم الأهم ، والعامل في إِذْ : شُهَداءَ ، و إِذْ قالَ بدل من إِذْ الأولى ، وعبر عن المعبود بما تجربة لهم ، ولم يقل من لئلا يطرق لهم الاهتداء ، وإنما أراد أن يختبرهم ، وأيضا فالمعبودات المتعارفة من دون اللّه تعالى جمادات كالأوثان والنار والشمس والحجارة فاستفهمهم عما يعبدون من هذه ، و مِنْ بَعْدِي أي من بعد موتي ، وحكي أن يعقوب عليه السلام حين خير كما يخير الأنبياء اختار الموت ، وقال أمهلوني حتى أوصي بنيّ وأهلي ، فجمعهم وقال لهم هذا فاهتدوا وقالوا : نَعْبُدُ إِلهَكَ الآية ، فأروه ثبوتهم على الدين ومعرفتهم باللّه تعالى ، ودخل إسماعيل في الآباء لأنه عمّ . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في العباس : « ردوا علي أبي ، إني أخاف أن تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود » . وقال عنه في موطن آخر : « هذا بقية آبائي » ، ومنه قوله عليه السلام : « أنا ابن الذبيحين » على القول الشهير في أن إسحاق هو الذبيح . وقرأ الحسن وابن يعمر والجحدري وأبو رجاء « وإله أبيك » ، واختلف بعد فقيل هو اسم مفرد أرادوا به إبراهيم وحده ، وقال بعضهم : هو جمع سلامة ، وحكى سيبويه أب وأبون وأبين . قال الشاعر : [ زياد بن واصل السلمي ] : [ المتقارب ] : فلمّا تبيّنّ أصواتنا * بكين وفدّيننا بالأبينا وقال ابن زيد : يقال قدم إسماعيل لأنه أسن من إسحاق ، و إِلهاً بدل من إِلهَكَ ، وكرره لفائدة الصفة بالوحدانية ، وقيل إِلهاً حال ، وهذا قول حسن ، لأن الغرض إثبات حال الوحدانية ، نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ابتداء وخبر ، أي كذلك كنا نحن ونكون ، ويحتمل أن يكون في موضع الحال والعامل نَعْبُدُ ، والتأويل الأول أمدح . وقوله تعالى : قَدْ خَلَتْ في موضع رفع نعت لأمة ، ومعناه ماتت وصارت إلى الخلاء من الأرض ، ويعني بالأمة الأنبياء المذكورون ، والمخاطب في هذه الآية اليهود والنصارى ، أي أنتم أيها الناحلوهم اليهودية والنصرانية ، ذلك لا ينفعكم ، لأن كل نفس لَها ما كَسَبَتْ من خير وشر ، فخيرهم لا ينفعكم إن كسبتم شرا ، وفي هذه الآية رد على الجبرية القائلين لا اكتساب للعبد ، وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ فتنحلوهم دينا . وقولهم : كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا نظير قولهم لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [ البقرة : 111 ] ، ونصب مِلَّةَ بإضمار فعل ، أي بل نتبع ملة ، وقيل نصبت على الإغراء ، وقرأ الأعرج وابن أبي عبلة « بل ملة » بالرفع والتقدير بل الهدى ملة ، و حَنِيفاً حال ، وقيل نصب بإضمار فعل ، لأن الحال تعلق من المضاف إليه ، والحنف الميل ، ومنه الأحنف لمن مالت إحدى قدميه إلى الأخرى ، والحنيف في الدين الذي مال عن الأديان المكروهة إلى الحق ، وقال قوم : الحنف الاستقامة ، وسمي المعوج القدمين أحنف تفاؤلا كما قيل سليم ومفازة ، ويجيء الحنيف في الدين المستقيم على جميع طاعات اللّه عزّ وجل ، وقد