ابن عطية الأندلسي

205

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

معرف ، وإنما جازت هنا لأن تعرف التلاوة بإضافتها إلى الضمير ليس بتعرف محض ، وإنما هو بمنزلة قولهم رجل واحد أمة ، ونسيج وحده ، والضمير في بِهِ عائد على الْكِتابَ ، وقيل : يعود على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، لأن متبعي التوراة يجدونه فيها فيؤمنون به . قال القاضي أبو محمد : ويحتمل عندي أن يعود الضمير على الْهُدى الذي تقدم ، وذلك أنه ذكر كفار اليهود والنصارى في أول الآية وحذر رسوله من اتباع أهوائهم ، وأعلمه بأن هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى الذي أعطاه وبعثه به ، ثم ذكر له أن المؤمنين التالين لكتاب اللّه هم المؤمنون بذاك الهدى المقتدون بأنواره ، والضمير في يَكْفُرْ بِهِ يحتمل من العود ما ذكر في الأول ، و فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ابتداء وعماد وخبر ، أو ابتداء وابتداء وخبر ، والثاني وخبره خبر الأول ، والخسران نقصان الحظ . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 122 إلى 124 ] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 122 ) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 123 ) وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( 124 ) قرأ الحسن وغيره « نعمتي » بتسكين الياء تخفيفا ، لأن أصلها التحريك كتحريك الضمائر لك وبك ، ثم حذفها الحسن للالتقاء ، وفي السبعة من يحرك الياء ، ومنهم من يسكنها ، وإن قدرنا فضيلة بني إسرائيل مخصوصة في كثرة الأنبياء وغير ذلك فالعالمون عموم مطلق ، وإن قدرنا تفضيلهم على الإطلاق فالعالمون عالمو زمانهم ، لأن أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم أفضل منهم بالنص ، وقد تقدم القول على مثل هذه الآية إلى قوله : يُنْصَرُونَ ومعنى لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ أي ليست ثم ، وليس المعنى أنه يشفع فيهم أحد فيرد ، وإنما نفى أن تكون ثم شفاعة على حد ما هي في الدنيا ، وأما الشفاعة التي هي في تعجيل الحساب فليست بنافعة لهؤلاء الكفرة في خاصتهم ، وأما الأخيرة التي هي بإذن من اللّه تعالى في أهل المعاصي من المؤمنين فهي بعد أن أخذ العقاب حقه ، وليس لهؤلاء المتوعدين من الكفار منها شيء . والعامل في إِذِ فعل ، تقديره : واذكر إذ ، و ابْتَلى معناه اختبر ، و إِبْراهِيمَ يقال إن تفسيره بالعربية أب رحيم ، وقرأ ابن عامر في جميع سورة البقرة « أبراهام » ، وقدم على الفاعل للاهتمام ، إذ كون الرب مبتليا معلوم ، فإنما يهتم السامع بمن ابْتَلى ، وكون ضمير المفعول متصلا بالفاعل موجب تقديم المفعول ، فإنما بني الكلام على هذا الاهتمام . واختلف أهل التأويل في الكلمات ، فقال ابن عباس : هي ثلاثون سهما ، هي الإسلام كله لم يتمه أحد كاملا إلا إبراهيم صلوات اللّه عليه ، عشرة منها في براءة التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ [ التوبة : 112 ] ، وعشرة في الأحزاب إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [ الأحزاب : 35 ] ، وعشرة في سَأَلَ سائِلٌ [ المعارج : 1 ] ، وقال ابن عباس أيضا وقتادة : الكلمات عشر خصال خمس منها في الرأس المضمضة والاستنشاق وقص الشارب والسواك وفرق الرأس ، وقيل بدل فرق الرأس : إعفاء اللحية ، وخمس في الجسد تقليم الظفر ،