ابن عطية الأندلسي
203
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
إلا الفعل مظهرا أو مقدرا ، وعلى بابها في المنع للوجوب يليها الابتداء ، وجرت العادة بحذف الخبر ، والآية هنا العلامة الدالة ، وقد تقدم القول في لفظها ، و الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ اليهود والنصارى في قول من جعل الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ كفار العرب ، وهم الأمم السالفة في قول من جعل الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ كفار العرب والنصارى واليهود ، وهم اليهود في قول من جعل الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ النصارى ، والكاف الأولى من كَذلِكَ نعت لمصدر مقدر ، و مِثْلَ نعت لمصدر محذوف ، ويصح أن يعمل فيه ، قالَ : وتشابه القلوب هنا في طلب ما لا يصح أو في الكفر وإن اختلفت ظواهرهم ، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو حيوة « تشّابهت » بشد الشين ، قال أبو عمرو الداني : وذلك غير جائز لأنه فعل ماض . وقوله تعالى : قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ لما تقدم ذكر الذين أضلهم اللّه حتى كفروا بالأنبياء وطلبوا ما لا يجوز لهم أتبع ذلك بذكر الذين بين لهم ما ينفع وتقوم به الحجة ، لكن البيان وقع وتحصل للموقنين ، فلذلك خصهم بالذكر ، ويحتمل أن يكون المعنى قد بينا البيان الذي هو خلق الهدى ، فكأن الكلام قد هدينا من هدينا ، واليقين إذا اتصف به العلم خصصه وبلغ به نهاية الوثاقة ، وقوله تعالى بَيَّنَّا قرينة تقتضي أن اليقين صفة لعلمهم ، وقرينة أخرى ، وهي أن الكلام مدح لهم ، وأما اليقين في استعمال الفقهاء إذا لم يتصف به العلم فإنه أحط من العلم ، لأن العلم عندهم معرفة المعلوم على ما هو به واليقين معتقد يقع للموقن في حقه والشيء على خلاف معتقده ، ومثال ذلك تيقن المقادة ثبوت الصانع ، ومنه قول مالك - رحمه اللّه - في « الموطأ » في مسألة الحالف على الشيء يتيقنه والشيء في نفسه على غير ذلك . قال القاضي أبو محمد : وأما حقيقة الأمر فاليقين هو الأخص وهو ما علم على الوجه الذي لا يمكن أن يكون إلا عليه . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 119 إلى 121 ] إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ ( 119 ) وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 120 ) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 121 ) المعنى بَشِيراً لمن آمن ، وَنَذِيراً لمن كفر ، وقرأ نافع وحده « ولا تسأل » بالجزم على النهي ، وفي ذلك معنيان : أحدهما لا تسأل على جهة التعظيم لحالهم من العذاب ، كما تقول : فلان لا تسأل عنه ، تعني أنه في نهاية تشهره من خير أو شر ، والمعنى الثاني روي فيه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ليت شعري ما فعل أبواي » فنزلت وَلا تُسْئَلُ . وحكى المهدوي رحمه اللّه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ليت شعري أي أبوي أحدث موتا » ، فنزلت .