ابن عطية الأندلسي

201

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وقال أيضا : وقيل نزلت الآية حين صد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن البيت ، و واسِعٌ معناه متسع الرحمة عليهم أين يضعها ، وقيل واسِعٌ معناه هنا أنه يوسع على عباده في الحكم دينه يسر ، عَلِيمٌ بالنيات التي هي ملاك العمل ، وإن اختلفت ظواهره في قبلة وما أشبهها . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 116 إلى 118 ] وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ( 116 ) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 117 ) وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 118 ) قرأ هذه الآية عامة القراء « وقالوا » بواو تربط الجملة بالجملة ، أو تعطف على سَعى [ البقرة : 114 ] ، وقرأ ابن عامر وغيره « قالوا » بغير واو ، وقال أبو علي : وكذلك هي في مصاحف أهل الشام ، وحذف منه الواو يتجه من وجهين ، أحدهما أن هذه الجملة مرتبطة في المعنى بالتي قبلها فذلك يغني عن الواو ، والآخر أن تستأنف هذه الجملة ولا يراعى ارتباطها بما تقدم ، واختلف على من يعود الضمير في قالُوا ، فقيل : على النصارى ، لأنهم قالوا المسيح ابن اللّه . قال القاضي أبو محمد : وذكرهم أشبه بسياق الآية ، وقيل : على اليهود ، لأنهم قالوا عزير ابن اللّه ، وقيل : على كفرة العرب لأنهم قالوا الملائكة بنات اللّه ، و سُبْحانَهُ * مصدر معناه تنزيها له وتبرئة مما قالوا ، و ما رفع بالابتداء ، والخبر في المجرور ، أو في الاستقرار المقدر ، أي كل ذلك له ملك ، والذي قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً داخل في جملة ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ولا يكون الولد إلا من جنس الوالد لا من المخلوقات المملوكات . والقنوت في اللغة الطاعة ، والقنوت طول القيام في عبادة ، ومنه القنوت في الصلاة ، فمعنى الآية أن المخلوقات كلها تقنت للّه أي تخضع وتطيع ، والكفار والجمادات قنوتهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم ، وقيل : الكافر يسجد ظله وهو كاره . و بَدِيعُ مصروف من مبدع كبصير من مبصر ، ومثله قول عمرو بن معديكرب : [ الوافر ] : أمن ريحانة الداعي السميع يريد المسمع ، والمبدع المخترع المنشئ ، ومنه أصحاب البدع ، ومنه قول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في صلاة رمضان : « نعمت البدعة هذه » . وخص السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بالذكر لأنها أعظم ما نرى من مخلوقاته جل وعلا ، و قَضى ، معناه قدر ، وقد يجيء بمعنى أمضى ، ويتجه في هذه الآية المعنيان ، فعلى مذهب أهل السنة قدر في الأزل