ابن عطية الأندلسي
199
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
اختلف من المراد بقوله لا يَعْلَمُونَ ، فقال الجمهور : عنى بذلك كفار العرب ، لأنهم لا كتاب لهم ، وقال عطاء : المراد أمم كانت قبل اليهود والنصارى ، وقال قوم : المراد اليهود ، وكأنه أعيد قولهم . قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف ، وأخبر تعالى بأنه يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ، والمعنى بأن يثيب من كان على شيء ، أي شيء حق ، ويعاقب من كان على غير شيء ، وقال الزجاج : المعنى يريهم عيانا من يدخل الجنة ومن يدخل النار و يَوْمَ الْقِيامَةِ سمي بقيام الناس من القبور ، إذ ذلك مبد لجميع مبدأ في اليوم وفي الاستمرار بعده ، وقوله كانُوا بصيغة الماضي حسن على مراعاة الحكم ، وليس هذا من وضع الماضي موضع المستقبل لأن اختلافهم ليس في ذلك اليوم ، بل في الدنيا . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 114 إلى 115 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 114 ) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 115 ) وقوله تعالى وَمَنْ أَظْلَمُ الآية ، مَنْ رفع بالابتداء ، و أَظْلَمُ خبره ، والمعنى لا أحد أظلم . واختلف في المشار إليه من هذا الصنف الظالم ، فقال ابن عباس وغيره : المراد النصارى الذين كانوا يؤذون من يصلي ببيت المقدس ويطرحون فيه الأقذار ، وقال قتادة والسدي : المراد الروم الذين أعانوا بختنصر على تخريب بيت المقدس حين قتلت بنو إسرائيل يحيى بن زكرياء عليه السلام ، وقيل : المعني بختنصر ، وقال ابن زيد : المراد كفار قريش حين صدوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن المسجد الحرام ، وهذه الآية تتناول كل من منع من مسجد إلى يوم القيامة أو خرب مدينة إسلام ، لأنها مساجد ، وإن لم تكن موقوفة ، إذ الأرض كلها مسجد لهذه الأمة ، والمشهور مسجد بكسر الجيم ، ومن العرب من يقول مسجد بفتحها ، و أَنْ يُذْكَرَ في موضع نصب : إما على تقدير حذف « من » وتسلط الفعل ، وإما على البدل من المساجد ، وهو بدل الاشتمال الذي شأن البدل فيه أن يتعلق بالمبدل منه ويختص به أو تقوم به صفة ، ويجوز أن يكون مفعولا من أجله ، ويجوز أن تكون أَنْ في موضع خفض على إسقاط حرف الجر ، ذكره سيبويه ، ومن قال من المفسرين إن الآية بسبب بيت المقدس جعل الخراب الحقيقي الموجود ، ومن قال هي بسبب المسجد الحرام جعل منع عمارته خرابا ، إذ هو داع إليه ، ومن جعل الآية في النصارى روى أنه مر زمان بعد ذلك لا يدخل نصراني بيت المقدس إلا أوجع ضربا ، قاله قتادة والسدي ، ومن جعلها في قريش قال كذلك نودي بأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن لا يحج مشرك ، و خائِفِينَ نصب على الحال ، وهذه الآية ليست بأمر بين منعهم من المساجد ، لكنها تطرق إلى ذلك وبدأة فيها وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين . ومن جعل الآية في النصارى قال : الخزي قتل الحربي وجزية الذمي ، وقيل : الفتوح الكائنة في الإسلام كعمورية وهرقلة وغير ذلك ، ومن جعلها في قريش جعل الخزي غلبتهم في الفتح وقتلهم والعذاب في الآخرة لمن مات منهم كافرا ، و خِزْيٌ رفع بالابتداء وخبره في المجرور . و الْمَشْرِقُ موضع الشروق ، وَالْمَغْرِبُ موضع الغروب ، أي هما له ملك وما بينهما من الجهات