ابن عطية الأندلسي
191
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
فيما يستقبل ، والذي قادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الأوامر مرادة ، وأن الحسن صفة نفسية للحسن ، ومراد اللّه تعالى حسن ، وقد قامت الأدلة على أن الأوامر لا ترتبط بالإرادة ، وعلى أن الحسن والقبح في الأحكام إنما هو من جهة الشرع لا بصفة نفسية . والتخصيص من العموم يوهم أنه نسخ وليس به ، لأن المخصص لم يتناوله العموم قط ، ولو ثبت قطعا تناول العموم لشيء ما ثم أخرج ذلك الشيء عن العموم لكان نسخا لا تخصيصا . والنسخ لا يجوز في الإخبار ، وإنما هو مختص بالأوامر والنواهي ، وردّ بعض المعترضين الأمر خبرا بأن قال : أليس معناه : « واجب عليكم أن تفعلوا كذا » ؟ فهذا خبر ، والجواب أن يقال : إن في ضمن المعنى إلا أن أنسخه عنكم وأرفعه ، فكما تضمن لفظ الأمر ذلك الإخبار كذلك تضمن هذا الاستثناء . وصور النسخ تختلف ، فقد ينسخ الأثقل إلى الأخف كنسخ الثبوت لعشرة بالثبوت لاثنين ، وقد ينسخ الأخف إلى الأثقل كنسخ يوم عاشوراء والأيام المعدودة برمضان ، وقد ينسخ المثل بمثله ثقلا وخفة كالقبلة ، وقد ينسخ الشيء لا إلى بدل كصدقة النجوى ، والنسخ التام أن تنسخ التلاوة والحكم وذلك كثير ، ومنه قول أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه : « كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر » ، وقد تنسخ التلاوة دون الحكم كآية الرجم ، وقد ينسخ الحكم دون التلاوة كصدقة النجوى ، وكقوله تعالى : وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا [ الممتحنة : 11 ] ، والتلاوة والحكم حكمان ، فجائز نسخ أحدهما دون الآخر . وينسخ القرآن بالقرآن ، والسنة بالسنة ، وهذه العبارة يراد بها الخبر المتواتر القطعي ، وينسخ خبر الواحد بخبر الواحد ، وهذا كله متفق عليه ، وحذاق الأئمة على أن القرآن ينسخ بالسنة ، وذلك موجود في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا وصية لوارث » ، وهو ظاهر مسائل مالك رحمه اللّه ، وأبى ذلك الشافعي رحمه اللّه ، والحجة عليه من قوله إسقاطه الجلد في حد الزنى عن الثيب الذي يرجم ، فإنه لا مسقط لذلك إلا السنة . فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكذلك حذاق الأئمة على أن السنة تنسخ بالقرآن ، وذلك موجود في القبلة فإن الصلاة إلى الشام لم تكن قط في كتاب اللّه ، وفي قوله تعالى : فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ [ الممتحنة : 10 ] ، فإن رجوعهن إنما كان يصلح النبي صلى اللّه عليه وسلم لقريش ، والحذاق على تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد عقلا ، واختلفوا هل وقع شرعا ، فذهب أبو المعالي وغيره إلى وقوعه في نازلة مسجد قباء في التحول إلى القبلة ، وأبى ذلك قوم ، ولا يصح نسخ نص بقياس إذ من شروط القياس أن لا يخالف نصا ، وهذا كله في مدة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأما بعد موته واستقرار الشرع فأجمعت الأمة أنه لا نسخ . ولهذا كان الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ لأنه إنما ينعقد بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فإذا وجدنا إجماعا يخالف نصا فنعلم أن الإجماع استند إلى نص ناسخ لا نعلمه نحن . وقال بعض المتكلمين : « النسخ الثابت متقرر في جهة كل أحد علم الناسخ أو لم يعلمه » ، والذي عليه الحذاق أنه من لم يبلغه الناسخ فهو متعبد بالحكم الأول ، فإذا بلغه الناسخ طرأ عليه حكم النسخ ، والحذاق على جواز نسخ الحكم قبل فعله ، وهو موجود في كتاب اللّه تعالى في قصة الذبيح .