ابن عطية الأندلسي
189
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
لمن اشتراه وهؤلاء لم يعلموا فهو على الحقيقة ، وقال مكي : الضمير في عَلِمُوا لعلماء أهل الكتاب ، وفي قوله لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ للمتعلمين منهم . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 103 إلى 104 ] وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 103 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 104 ) وقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا : موضع « أن » رفع ، المعنى لو وقع إيمانهم ، ويعني الذين اشتروا السحر ، وَلَوْ تقتضي جوابا ، فقالت فرقة جوابها لَمَثُوبَةٌ ، لأنها مصدر يقع للمضي والاستقبال ، وجواب لَوْ لا يكون إلا ماضيا أو بمعناه ، وقال الأخفش : لا جواب ل لَوْ في هذه الآية مظهرا ولكنه مقدر ، أي لو آمنوا لأثيبوا . وقرأ قتادة وأبو السمال وابن بريدة « لمثوبة » بسكون الثاء وفتح الواو ، وهو مصدر أيضا كمشورة ومشورة ، ومثوبة رفع بالابتداء و خَيْرٌ خبره والجملة خبر ان ، والمثوبة عند جمهور الناس بمعنى الثواب والأجر ، وهذا هو الصحيح ، وقال قوم : معناه لرجعة إلى اللّه من ثاب يثوب إذا رجع ، واللام فيها لام القسم لأن لام الابتداء مستغنى عنها ، وهذه لا غنى عنها ، وقوله تعالى : لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يحتمل نفي العلم عنهم ، ويحتمل أن يراد : لو كانوا يعلمون علما ينفع . وقرأ جمهور الناس « راعنا » من المراعاة بمعنى فاعلنا أي أرعنا نرعك ، وفي هذا جفاء أن يخاطب به أحد نبيه ، وقد حض اللّه تعالى على خفض الصوت عنده وتعزيره وتوقيره ، فقال من ذهب إلى هذا المعنى إن اللّه تعالى نهى المؤمنين عنه لهذه العلة ، ولا مدخل لليهود في هذه الآية على هذا التأويل ، بل هو نهي عن كل مخاطبة فيها استواء مع النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقالت طائفة : هي لغة كانت الأنصار تقولها ، فقالها رفاعة بن زيد بن التابوت للنبي صلى اللّه عليه وسلم ليّا بلسانه وطعنا كما كان يقول : اسمع غير مسمع ، فنهى اللّه المؤمنين أن تقال هذه اللفظة . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : ووقف هذه اللغة على الأنصار تقصير ، بل هي لغة لجميع العرب فاعل من المراعاة . فكانت اليهود تصرفها إلى الرعونة ، يظهرون أنهم يريدون المراعاة ويبطنون أنهم يريدون الرعونة التي هي الجهل ، وحكى المهدوي عن قوم أن هذه الآية على هذا التأويل ناسخة لفعل قد كان مباحا ؛ وليس في هذه الآية شروط النسخ لأن الأول لم يكن شرعا متقررا . وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن أبي ليلى وابن محيصن وأبو حيوة « راعنا » بالتنوين ، وهذه من معنى الجهل ، وهذا محمول على أن اليهود كانت تقوله فنهى اللّه تعالى المؤمنين عن القول المباح سد ذريعة لئلا يتطرق منه اليهود إلى المحظور ، إذ المؤمنون إنما كانوا يقولون « راعنا » دون تنوين ، وفي مصحف ابن مسعود « راعونا » ، وهي شاذة ، ووجهها أنهم كانوا يخاطبون النبي صلى اللّه عليه وسلم كما تخاطب الجماعة ، يظهرون بذلك إكباره وهم يريدون في الباطن فاعولا من الرعونة . و انْظُرْنا مضمومة الألف والظاء معناها انتظرنا وأمهل علينا ، ويحتمل أن يكون المعنى تفقدنا من النظر ، وهذه لفظة مخلصة لتعظيم النبي صلى اللّه عليه وسلم على المعنيين ، والظاهر عندي استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال ، وهذا هو معنى راعِنا ، فبدلت للمؤمنين اللفظة ليزول تعلق اليهود ، وقرأ الأعمش وغيره « أنظرنا » بقطع الألف وكسر الظاء بمعنى أخرنا وأمهلنا حتى نفهم عنك ونتلقى منك . ولما نهى اللّه تعالى في هذه الآية وأمر ، حض بعد على السمع الذي في ضمنه الطاعة ، واعلم أن