ابن عطية الأندلسي
183
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
وقوله تعالى : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ الآية . نزل على سبب لم يتقدم له ذكر فيما مضى من الآيات ، ولكن أجمع أهل التفسير أن اليهود قالت : جبريل عدونا ، واختلف في كيفية ذلك ، فقيل إن يهود فدك قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : نسألك عن أربعة أشياء فإن عرفتها اتبعناك ، فسألوه عما حرم إسرائيل على نفسه ، فقال : لحوم الإبل وألبانها ، وسألوه عن الشبه في الولد ، فقال : أي ماء علا كان الشبه له ، وسألوه عن نومه ، فقال : تنام عيني ولا ينام قلبي ، وسألوه عمن يجيئه من الملائكة ، فقال : جبريل ، فلما ذكره قالوا ذاك عدونا ، لأنه ملك الحرب والشدائد والجدب ، ولو كان الذي يجيئك ميكائيل ملك الرحمة والخصب والأمطار لاتبعناك ، وقيل إن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كان يتكرر على بيت المدارس فاستحلفهم يوما بالذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء أتعلمون أن محمدا نبي ؟ قالوا نعم ، قال : فلم تهلكون في تكذيبه ، قالوا : صاحبه جبريل وهو عدونا ، وذكر أنهم قالوا سبب عداوتهم له أنه حمى بختنصر حين بعثوا إليه قبل أن يملك من يقتله ، فنزلت هذه الآية لقولهم . وفي جبريل لغات : « جبريل » بكسر الجيم والراء من غير همز ، وبها قرأ نافع ، و « جبريل » بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز ، وبها قرأ ابن كثير ، وروي عنه أنه قال : « رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم في النوم وهو يقرأ جبريل وميكال فلا أزال أقرؤهما أبدا كذلك » ، وجبريل بفتح الجيم والراء وهمزة بين الراء واللام وبها قرأ عاصم ، و « جبرءيل » بفتح الجيم والراء وهمزة بعد الراء وياء بين الهمزة واللام ، وبها قرأ حمزة والكسائي وحكاها الكسائي عن عاصم ، « وجبرائل » بألف بعد الراء ثم همزة وبها قرأ عكرمة ، و « جبرائيل » بزيادة ياء بعد الهمزة ، و « جبراييل » بياءين وبها قرأ الأعمش ، و « جبرئل » بفتح الجيم والراء وهمزة ولام مشددة ، وبها قرأ يحيى بن يعمر ، و « جبرال » لغة فيه ، و « جبرين » بكسر الجيم والراء وياء ونون ، قال الطبري : « هي لغة بني أسد » ولم يقرأ بها ، و « جبريل » اسم أعجمي عربته العرب فلها فيه هذه اللغات ، فبعضها هي موجودة في أبنية العرب ، وتلك أدخل في التعريب كجبريل الذي هو كقنديل ، وبعضها خارجة عن أبنية العرب فذلك كمثل ما عربته العرب ولم تدخله في بناء كإبريسم وفرند وآجر ونحوه . وذكر ابن عباس رضي اللّه عنه وغيره أن « جبر » و « ميك » و « سراف » هي كلها بالأعجمية بمعنى عبد ومملوك ، وإيل اسم اللّه تعالى ، ويقال فيه إلّ ، ومنه قول أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه حين سمع سجع مسيلمة : هذا كلام لم يخرج من إلّ . وقوله تعالى : فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ الضمير في فَإِنَّهُ عائد على اللّه عزّ وجل ، والضمير في نَزَّلَهُ عائد على جبريل صلى اللّه عليه وسلم ، والمعنى بالقرآن وسائر الوحي ، وقيل : الضمير في « إنه » عائد على جبريل وفي نَزَّلَهُ على القرآن ، وخص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف ، وجاءت المخاطبة بالكاف في قَلْبِكَ اتساعا في العبارة إذ ليس ثم من يخاطبه النبي صلى اللّه عليه وسلم بهذه الكاف ، وإنما يجيء قوله : فإنه نزله على قلبي ، لكن حسن هذا إذ يحسن في كلام العرب أن تحرز اللفظ الذي يقوله المأمور بالقول ويحسن أن تقصد المعنى الذي يقوله فتسرده مخاطبة له ، كما تقول لرجل : قل لقومك لا يهينوك ، فكذلك هي الآية ، ونحو من هذا قول الفرزدق [ الطويل ] ألم تر أنّي يوم جو سويقة * بكيت فنادتني هنيدة ما ليا