ابن عطية الأندلسي
180
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 92 إلى 95 ] وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ( 92 ) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 93 ) قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 94 ) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 95 ) البينات التوراة والعصا وفرق البحر وغير ذلك من آيات موسى عليه السلام وقوله تعالى : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ تدل ثم على أنهم فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في الآيات ، وذلك أعظم في دينهم « 1 » ، وقد تقدمت قصة اتخاذهم العجل ، والضمير في قوله مِنْ بَعْدِهِ عائد على موسى عليه السلام ، أي من بعده حين غاب عنكم في المناجاة ، ويحتمل أن يعود الضمير في بَعْدِهِ على المجيء . وهذه الآية رد عليهم في أن من آمن بما نزل عليه لا يتخذ العجل ، وقد تقدم ذكر أخذ الميثاق ورفع الطور . وقوله تعالى : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ * يعني التوراة والشرع ، و بِقُوَّةٍ أي بعزم ونشاط وجد . وَاسْمَعُوا معناه هنا : وأطيعوا ، وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط . وقالت طائفة من المفسرين : إنهم قالوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا * . ونطقوا بهذه الألفاظ مبالغة في التعنت والمعصية . وقالت طائفة : ذلك مجاز ولم ينطقوا ب سَمِعْنا وَعَصَيْنا * ، ولكن فعلهم اقتضاه ، كما قال الشاعر [ الرجز ] : امتلأ الحوض وقال قطني وهذا أيضا احتجاج عليهم في كذب قولهم نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا [ البقرة : 91 ] ، وقوله تعالى : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ التقدير حب العجل ، والمعنى جعلت قلوبهم تشربه ، وهذا تشبيه ومجاز ، عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم ، وقال قوم : إن معنى قوله وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ شربهم الماء الذي ألقى فيه موسى برادة العجل ، وذلك أنه برده بالمبرد ورماه في الماء ، وقيل لبني إسرائيل : اشربوا من ذلك الماء فشرب جميعهم ، فمن كان يحب العجل خرجت برادة الذهب على شفتيه . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : وهذا قول يرده قوله تعالى : فِي قُلُوبِهِمُ ، وروي أن الذين تبين فيهم حب العجل أصابهم من ذلك الماء الجبن ، وقوله تعالى بِكُفْرِهِمْ يحتمل أن تكون باء السبب ، ويحتمل أن تكون بمعنى مع ، وقوله تعالى : قُلْ بِئْسَما الآية أمر لمحمد صلى اللّه عليه وسلم أن يوبخهم بأنه بئس هذه الأشياء التي فعلتم وأمركم بها إيمانكم الذي زعمتم في قولكم نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا [ البقرة : 91 ] ،
--> ( 1 ) في نسخة : وذلك أعظم لذنبهم في دينهم .