ابن عطية الأندلسي

170

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

فمعنى الآية أن منهم أميين لا يعلمون الكتاب إلا أنهم يسمعون من الأحبار أشياء مختلقة يظنونها من الكتاب ، وإن نافية بمعنى ما ، والظن هنا على بابه في الميل إلى أحد الجائزين . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 79 إلى 82 ] فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ( 79 ) وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 80 ) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 81 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 82 ) الذين في هذه الآية يراد بهم الأحبار والرؤساء ، قال الخليل : الويل شدة الشر ، وقال الأصمعي : الويل القبوح وهو مصدر لا فعل له ، ويجمع على ويلات ، والأحسن فيه إذا انفصل الرفع ، لأنه يقتضي الوقوع ، ويصح النصب على معنى الدعاء أي ألزمه اللّه ويلا ، وويل وويح وويس وويب تتقارب في المعنى ، وقد فرق بينها قوم ، وروى سفيان وعطاء بن يسار أن الويل في هذه الآية : واد يجري بفناء جهنم من صديد أهل النار ، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه واد في جهنم بين جبلين يهوي فيه الهاوي أربعين خريفا ، وقال أبو عياض : إنه صهريج في جهنم ، وروى عثمان بن عفان رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه جبل من جبال النار . وحكى الزهراوي عن آخرين أنه باب من أبواب جهنم ، والذين يَكْتُبُونَ : هم الأحبار الذين بدلوا التوراة . وقوله تعالى : بِأَيْدِيهِمْ بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم اللّه ، وفرق بين من كتب وبين من أمر ، إذ المتولي للفعل أشد مواقعة ممن لم يتوله ، وإن كان رأيا له ، وقال ابن السراج : هو كناية عن أنه من تلقائهم دون أن ينزل عليهم ، وإن لم تكن حقيقة في كتب أيديهم ، والذي بدلوا هو صفة النبي صلى اللّه عليه وسلم ليستديموا رياستهم ومكاسبهم ، وقال ابن إسحاق : كانت صفته في التوراة أسمر ربعة ، فردوه آدم طويلا ، وذكر السدي أنهم كانوا يكتبون كتبا يبدلون فيها صفة النبي صلى اللّه عليه وسلم ويبيعونها من الأعراب ويبثونها في أتباعهم ويقولون هي من عند اللّه ، وتناسق هذه الآية على التي قبلها يعطي أن هذا الكتب والتبديل إنما هو للأتباع الأميين الذين لا يعلمون إلا ما قرئ لهم . والثمن قيل عرض الدنيا ، وقيل الرشا والمآكل التي كانت لهم ، ووصفه بالقلة إما لفنائه وإما لكونه حراما ، وكرر الويل لتكرار الحالات التي استحقوه بها ، و يَكْسِبُونَ معناه من المعاصي والخطايا ، وقيل من المال الذي تضمنه ذكر الثمن . وقوله تعالى : وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ الآية ، روى ابن زيد وغيره أن سببها أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لليهود : من أهل النار ؟ فقالوا : نحن ثم تخلفوننا أنتم ، فقال لهم : كذبتم لقد علمتم أنا لا