ابن عطية الأندلسي

168

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

الذين حرفوا التوراة في صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل المراد كل من حرف في التوراة شيئا حكما أو غيره كفعلهم في آية الرجم ونحوها ، وقال ابن إسحاق والربيع : عني السبعون الذين سمعوا مع موسى صلى اللّه عليه وسلم ثم بدلوا بعد ذلك . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : وفي هذا القول ضعف ، ومن قال إن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ وأذهب فضيلة موسى عليه السلام واختصاصه بالتكليم ، وقرأ الأعمش : « كلم اللّه » ، وتحريف الشيء إحالته من حال إلى حال ، وذهب ابن عباس رضي اللّه عنه إلى أن تحريفهم وتبديلهم إنما هو بالتأويل ولفظ التوراة باق ، وذهب جماعة من العلماء إلى أنهم بدلوا ألفاظا من تلقائهم وأن ذلك ممكن في التوراة لأنهم استحفظوها ، وغير ممكن في القرآن لأن اللّه تعالى ضمن حفظه . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 76 إلى 78 ] وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 76 ) أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( 77 ) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ( 78 ) المعنى : وهم أيضا إذا لقوا يفعلون هذا ، فكيف يطمع في إيمانهم ؟ ويحتمل أن يكون هذا الكلام مستأنفا مقطوعا من معنى الطمع ، فيه كشف سرائرهم . وورد في التفسير أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن » ، فقال كعب بن الأشرف ووهب بن يهوذا وأشباههما : اذهبوا وتحسسوا أخبار من آمن بمحمد وقولوا لهم آمنا واكفروا إذا رجعتم ، فنزلت هذه الآية فيهم ، وقال ابن عباس : نزلت في منافقين من اليهود ، وروي عنه أيضا أنها نزلت في قوم من اليهود قالوا لبعض المؤمنين نحن نؤمن أنه نبي ولكن ليس إلينا ، وإنما هو إليكم خاصة ، فلما خلوا قال بعضهم : لم تقرون بنبوته وقد كنا قبل نستفتح به ؟ فهذا هو الذي فتح اللّه عليهم من علمه ، وأصل خَلا « خلو » تحركت الواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا ، وقال أبو العالية وقتادة : إن بعض اليهود تكلم بما في التوراة من صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لهم كفرة الأحبار : أتحدثون بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أي عرفكم من صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم فيحتجون عليكم إذ تقرون به ولا تؤمنون به ؟ ، وقال السدي : إن بعض اليهود حكى لبعض المسلمين ما عذب به أسلافهم ، فقال بعض الأحبار : أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ من العذاب ، فيحتجون عليكم ويقولون نحن أكرم على اللّه حين لم يفعل بنا مثل هذا ؟ ، وفتح على هذا التأويل بمعنى حكم ، وقال مجاهد : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لبني قريظة : يا إخوة الخنازير والقردة ، فقال الأحبار لأتباعهم : ما عرف هذا إلا من عندكم ، أتحدثونهم ؟ وقال ابن زيد : كانوا إذا سئلوا عن شيء ، قالوا في التوراة كذا وكذا ، فكرهت الأحبار ذلك ، ونهوا في الخلوة عنه ، ففيه نزلت الآية . والفتح في اللغة ينقسم أقساما تجمعها بالمعنى التوسعة وإزالة الإبهام ، وإلى هذا يرجع الحكم