ابن عطية الأندلسي

164

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

مثيرة ، وقال قوم تُثِيرُ فعل مستأنف ، والمعنى إيجاب الحرث وأنها كانت تحرث ولا تسقي ، ولا يجوز أن تكون هذه الجملة في موضع الحال ، لأنها من نكرة ، و تَسْقِي الْحَرْثَ معناه بالسانية أو غيرها من الآلات ، و الْحَرْثَ * ما حرث وزرع . و مُسَلَّمَةٌ بناء مبالغة من السلامة ، قال ابن عباس وقتادة وأبو العالية : معناه من العيوب ، وقال مجاهد : معناه من الشيات والألوان ، وقال قوم : معناه من العمل . و لا شِيَةَ فِيها : أي لا خلاف في لونها هي صفراء كلها لا بياض فيها ولا حمرة ولا سواد قاله ابن زيد وغيره ، والموشي المختلط الألوان ، ومنه وشي الثوب ، تزيينه بالألوان ، ومنه الواشي لأنه يزين كذبه بالألوان من القول ، والثور الأشيه الذي فيه بلقة ، يقال فرس أبلق ، وكبش أخرج ، وتيس أبرق ، وكلب أبقع ، وثور أشية ، كل ذلك بمعنى البلقة . وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شددوا فشدد اللّه عليهم ، ودين اللّه يسر ، والتعمق في سؤال الأنبياء عليهم السلام مذموم . وقصة وجود هذه البقرة على ما روي ، أن رجلا من بني إسرائيل ولد له ابن ، وكانت له عجلة ، فأرسلها في غيضة ، وقال : اللهم إني قد استودعتك هذه العجلة لهذا الصبي ، ومات الرجل ، فلما كبر الصبي قالت له أمه : إن أباك قد استودع اللّه عجلة لك ، فأذهب فخذها ، فذهب فلما رأته البقرة جاءت إليه حتى أخذ بقرنيها ، وكانت مستوحشة ، فجعل يقودها نحو أمه ، فلقيه بنو إسرائيل ، ووجدوا بقرته على الصفة التي أمروا بها ، وروت طائفة أنه كان رجل من بني إسرائيل برا بأبيه فنام أبوه يوما وتحت رأسه مفاتيح مسكنهما ، فمر به بائع جوهر فسامه فيه بستين ألفا ، فقال له ابن النائم : اصبر حتى ينتبه أبي ، وأنا آخذه منك بسبعين ألفا ، فقال له صاحب الجوهر : نبه أباك وأنا أعطيكه بخمسين ألفا ، فداما كذلك حتى بلغه مائة ألف ، وانحط صاحب الجوهر إلى ثلاثين ألفا ، فقال له ابن النائم : واللّه لا اشتريته منك بشيء برا بأبيه ، فعوضه اللّه منه أن وجدت البقرة عنده ، وقال قوم : وجدت عند عجوز تعول يتامى كانت البقرة لهم ، إلى غير ذلك من اختلاف في قصتها ، هذا معناه ، فلما وجدت البقرة ساموا صاحبها ، فاشتط عليهم ، وكانت قيمتها - على ما روي عن عكرمة - ثلاثة دنانير ، فأتوا به موسى عليه السلام ، وقالوا : إن هذا اشتط علينا ، فقال لهم : أرضوه في ملكه ، فاشتروها منه بوزنها مرة ، قاله عبيدة السلماني ، وقيل بوزنها مرتين ، وقال السدي : بوزنها عشر مرات ، وقال مجاهد : كانت لرجل يبر أمه ، وأخذت منه بملء جلدها دنانير ، وحكى مكي : أن هذه البقرة نزلت من السماء ، ولم تكن من بقر الأرض ، وحكى الطبري عن الحسن أنها كانت وحشية . و الْآنَ مبني على الفتح ولم يتعرف بهذه الألف واللام ، ألا ترى أنها لا تفارقه في الاستعمال ، وإنما بني لأنه ضمن معنى حرف التعريف ، ولأنه واقع موقع المبهم ، إذ معناه هذا الوقت ، هو عبارة عما بين الماضي والمستقبل ، وقرئ « قالوا الآن » بسكون اللام وهمزة بعدها ، « وقالوا الآن » بمدة على الواو وفتح اللام دون همز ، « وقالوا الآن » بحذف الواو من اللفظ دون همز ، « وقالوا الآن » بقطع الألف الأولى وإن كانت ألف وصل ، كما تقول « يا اللّه » .