ابن عطية الأندلسي

161

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

هذا أن الممسوخ ينسل ، فإن كان أراد هذا فهو ظن منه عليه السلام في أمر لا مدخل له في التبليغ ، ثم أوحي إليه بعد ذلك أن الممسوخ لا ينسل ، ونظير ما قلناه نزوله عليه السلام على مياه بدر ، وأمره باطراح تذكير النخل ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « إذا أخبرتكم برأي في أمور الدنيا فإنما أنا بشر » . وروي عن مجاهد في تفسير هذه الآية أنه إنما مسخت قلوبهم فقط وردّت أفهامهم كأفهام القردة ، والأول أقوى ، والضمير في « جعلناها » : يحتمل العود على المسخة والعقوبة ، ويحتمل على الأمة التي مسخت ، ويحتمل على القردة ، ويحتمل على القرية إذ معنى الكلام يقتضيها ، وقيل يعود على الحيتان ، وفي هذا القول بعد . والنكال : الزجر بالعقاب ، والنكل والأنكال : قيود الحديد ، فالنكال عقاب ينكل بسببه غير المعاقب عن أن يفعل مثل ذلك الفعل ، قال السدي : ما بين يدي المسخة : ما قبلها من ذنوب القوم ، وَما خَلْفَها : لمن يذنب بعدها مثل تلك الذنوب ، وهذا قول جيد ، وقال غيره : « ما بين يديها » أي من حضرها من الناجين ، وَما خَلْفَها أي لمن يجيء بعدها ، وقال ابن عباس : لِما بَيْنَ يَدَيْها : أي من بعدهم من الناس ليحذر ويتقي ، وَما خَلْفَها : لمن بقي منهم عبرة . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وما أراه يصح عن ابن عباس رضي اللّه عنه ، لأن دلالة ما بين اليد ليست كما في القول ، وقال ابن عباس أيضا : لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها ، أي من القرى ، فهذا ترتيب أجرام لا ترتيب في الزمان . وَمَوْعِظَةً * مفعلة من الاتعاظ والازدجار ، و لِلْمُتَّقِينَ معناه للذين نهوا ونجوا ، وقالت فرقة : معناه لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، واللفظ يعم كل متق من كل أمة . وقوله تعالى : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ الآية : إِذْ عطف على ما تقدم ، والمراد تذكيرهم بنقض سلفهم للميثاق ، وقرأ أبو عمرو « يأمركم » بإسكان الراء ، وروي عنه اختلاس الحركة ، وقد تقدم القول في مثله في « بارئكم » . وسبب هذه الآية على ما روي ، أن رجلا من بني إسرائيل أسنّ وكان له مال ، فاستبطأ ابن أخيه موته ، وقيل أخوه ، وقيل ابنا عمه ، وقيل ورثة كثير غير معينين ، فقتله ليرثه وألقاه في سبط آخر غير سبطه ، ليأخذ ديته ويلطخهم بدمه ، وقيل : كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين ، فألقاه إلى باب إحدى المدينتين ، وهي التي لم يقتل فيها ، ثم جعل يطلبه هو وسبطه حتى وجده قتيلا ، فتعلق بالسبط أو بسكان المدينة التي وجد القتيل عندها ، فأنكروا قتله ، فوقع بين بني إسرائيل في ذلك لحاء حتى دخلوا في السلاح ، فقال أهل النهي منهم : أنقتل ورسول اللّه معنا ؟ فذهبوا إلى موسى عليه السلام فقصوا عليه القصة ، وسألوه البيان ، فأوحى اللّه إليه أن يذبحوا بقرة فيضرب القتيل ببعضها ، فيحيى ويخبر بقاتله فقال لهم : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ، فكان جوابهم أن قالوا : أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قرأ الجحدري « أيتخذنا » بالياء ، على معنى أيتخذنا اللّه ، وقرأ حمزة : « هزؤا » بإسكان الزاي والهمز ، وهي لغة ، وقرأ عاصم بضم الزاي والهاء والهمز ، وقرأ أيضا : دون همز « هزوا » ، حكاه أبو علي ، وقرأت طائفة من القراء بضم الهاء والزاي والهمزة