ابن عطية الأندلسي

16

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وهنا برزت جرأة ابن عباس فقال بكل أدب وتوقير لأصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم : في نفسي منها شيء . فقال عمر : يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك . قال : ضربت مثلا لعمل ، فقال عمر : أي عمل ؟ قال ابن عباس : رجل غني يعمل بطاعة اللّه ، ثم بعث له الشيطان ، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله « 1 » . قال عطاء : ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس : أصحاب الفقه عنده ، وأصحاب القرآن عنده ، وأصحاب الشعر عنده . وقال عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة : كان ابن عباس قد فات الناس بخصال : بعلم ما سبقه ، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه ، وحلم ، ونسب ، وتأويل ؛ وما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منه ؛ ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه ؛ ولا أفقه في رأي ، ولا أثقب رأيا فيما احتيج إليه منه . ولقد كان يجلس يوما ولا يذكر فيه إلا الفقه ، ويوما التأويل ، ويوما المغازي ، ويوما الشعر ، ويوما أيام العرب ، ولا رأيت عالما قط جلس إليه إلا خضع له ، وما رأيت سائلا قط مسألة إلا وجد عنده علما . وقيل لطاوس : لزمت هذا الغلام - يعني ابن عباس - وتركت الأكابر من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ! ! قال : إني رأيت سبعين رجلا من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا تدارءوا في أمر صاروا إلى قول ابن عباس . قيمة تفسيره : يقول علي كرم اللّه وجهه عن تفسيره : « كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق » . وقال ابن عمر : ابن عباس أعلم أمة محمد بما نزل على محمد . وقال تلميذه مجاهد عنه : إنه إذا فسر الشيء رأيت عليه النور . قيمة التفسير المأثور عن الصحابة قال العلماء : - إن التفسير المأثور عن الصحابة له حكم المرفوع إذا كان مما يرجع إلى أسباب النزول وما ليس للصحابي فيه رأي . - أما ما يكون للرأي فيه مجال فهو موقوف عليه ما دام لم يسنده إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .

--> ( 1 ) عمدة القاري 18 / 129 .