ابن عطية الأندلسي
154
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
يحتمل أن يكون تفاضلها في القيمة ، لأن هذه البقول لا خطر لها ، وهذا قول الزجاج ، ويحتمل أن يفضل المن والسلوى لأنه الطعام الذي من اللّه به وأمرهم بأكله ، وفي استدامة أمر اللّه تعالى وشكر نعمته أجر وذخر في الآخرة ، والذي طلبوا عار من هذه الخصال ، فكأن أدنى من هذا الوجه ، ويحتمل أن يفضل في الطيب واللذة به ، فالبقول لا محالة أدنى من هذا الوجه ، ويحتمل أن يفضل في حسن الغذاء ونفعه ، فالمن والسلوى خير لا محالة في هذا الوجه ، ويحتمل أن يفضل من جهة أنه لا كلفة فيه ولا تعب ، والذي طلبوا لا يجيء إلا بالحرث والزراعة والتعب ، فهو أَدْنى في هذا الوجه ، ويحتمل أن يفضل في أنه لا مرية في حله وخلوصه لنزوله من عند اللّه ، والحبوب والأرض يتخللها البيوع والغصوب وتدخلها الشبه ، فهي أَدْنى في هذا الوجه . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : ويترتب الفضل للمن والسلوى بهذه الوجوه كلها ، وفي الكلام حذف ، تقديره : فدعا موسى ربه فأجابه ، فقال لهم : اهْبِطُوا ، وتقدم ذكر معنى الهبوط ، وكأن القادم على قطر منصب عليه ، فهو من نحو الهبوط ، وجمهور الناس يقرءون « مصرا » بالتنوين وهو خط المصحف ، إلا ما حكي عن بعض مصاحف عثمان رضي اللّه عنه . وقال مجاهد وغيره ممن صرفها : « أراد مصرا من الأمصار غير معين » ، واستدلوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية ، وبما تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التيه . وقالت طائفة ممن صرفها : أراد مصر فرعون بعينها ، واستدلوا بما في القرآن من أن اللّه تعالى أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون وآثارهم ، وأجازوا صرفها . قال الأخفش : « لخفتها وشبهها بهند ودعد » . وسيبويه لا يجيز هذا . وقال غير الأخفش : « أراد المكان فصرف » . وقرأ الحسن وأبان بن تغلب وغيرهما : « اهبطوا مصر » بترك الصرف ، وكذلك هي في مصحف أبيّ بن كعب وقالوا : « هي مصر فرعون » . قال الأعمش : « هي مصر التي عليها صالح بن علي » . وقال أشهب : « قال لي مالك : هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون » . وقوله تعالى : فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ يقتضي أنه وكلهم إلى أنفسهم . وقرأ النخعي وابن وثاب « سألتم » بكسر السين وهي لغة ، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ معناه ألزموها وقضي عليهم بها ، كما يقال ضرب الأمير البعث ، وكما قالت العرب ضربة لازب ، أي إلزام ملزوم أو لازم ، فينضاف المصدر إلى المفعول بالمعنى ، وكما يقال ضرب الحاكم على اليد ، أي حجر وألزم ، ومنه ضرب الدهر ضرباته ، أي ألزم إلزاماته ، و الذِّلَّةُ فعلة من الذل كأنها الهيئة والحال ، وَالْمَسْكَنَةُ من المسكين ، قال الزجاج : « هي مأخوذة من السكون وهي هنا : زي الفقر وخضوعه ، وإن وجد يهودي غني فلا يخلو من زي الفقر ومهانته » .