ابن عطية الأندلسي

148

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

أجاب اللّه تعالى فيهم رغبة موسى عليه السلام وأحياهم من ذلك الهمود أو الموت ، ليستوفوا آجالهم ، وتاب عليهم ، والبعث هنا الإثارة كما قال اللّه تعالى : مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا [ يس : 52 ] . وقال قوم : إنهم لما أحيوا وأنعم عليهم بالتوبة سألوا موسى عليه السلام أن يجعلهم اللّه أنبياء ، فذلك قوله تعالى : ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ أي أنبياء لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي على هذه النعمة ، والترجي إنما هو في حق البشر ، ونزلت الألواح بالتوراة على موسى في تلك المدة ، وهذا قول جماعة ، وقال آخرون : إن الألواح نزلت في ذهابه الأول وحده . وذكر المفسرون في تظليل الغمام : أن بني إسرائيل لما كان من أمرهم ما كان من القتل وبقي منهم من بقي حصلوا في فحص التيه بين مصر والشام ، فأمروا بقتال الجبارين فعصوا وقالوا : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [ المائدة : 24 ] فدعا موسى عليهم فعوقبوا بالبقاء في ذلك الفحص أربعين سنة يتيهون في مقدار خمسة فراسخ أو ستة ، روي أنهم كانوا يمشون النهار كله وينزلون للمبيت فيصبحون حيث كانوا بكرة أمس ، فندم موسى عليه السلام على دعائه عليهم ، فقيل له : فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [ المائدة : 26 ] . وروي أنهم ماتوا بأجمعهم في فحص التيه ، ونشأ بنوهم على خير طاعة ، فهم الذين خرجوا من فحص التيه وقاتلوا الجبارين ، وإذ كان جميعهم في التيه قالوا لموسى : من لنا بالطعام ؟ قال : اللّه ، فأنزل اللّه عليهم المن والسلوى ، قالوا : من لنا من حر الشمس ؟ فظلل عليهم الغمام ، قالوا : بم نستصبح بالليل ؟ فضرب لهم عمود نور في وسط محلتهم ، وذكر مكي : عمود نار . فقالوا : من لنا بالماء ؟ فأمر موسى بضرب الحجر ، قالوا : من لنا باللباس ؟ فأعطوا أن لا يبلى لهم ثوب ولا يخلق ولا يدرن ، وأن تنمو صغارها حسب نمو الصبيان . ومعنى ظَلَّلْنا * جعلناه ظللا ، و الْغَمامَ * السحاب لأنه يغم وجه السماء أي يستره . وقال مجاهد : « هو أبرد من السحاب وأرق وأصفى ، وهو الذي يأتي اللّه فيه يوم القيامة » . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه اللّه : يأتي أمره وسلطانه وقضاؤه . وقيل الْغَمامَ * ما ابيض من السحاب . و الْمَنَّ * صمغة حلوة ، هذا قول فرقة ، وقيل : هو عسل ، وقيل : شراب حلو ، وقيل : الذي ينزل اليوم على الشجر ، وقيل : الْمَنَّ * خبز الرقاق مثل النقي . وقيل : هو الترنجبين وقيل الزنجبيل ، وفي بعض هذه الأقوال بعد . وقيل : الْمَنَّ * مصدر يعني به جميع ما من اللّه به مجملا . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم في كتاب مسلم : الكمأة مما من اللّه به على بني إسرائيل وماؤها شفاء للعين .