ابن عطية الأندلسي
144
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
وقيل : إن السامري كان في أصله من قوم يعبدون البقر ، وكان يعجبه ذلك . وقيل : بل كانت بنو إسرائيل قد مرت مع موسى على قوم يعبدون البقر ف قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [ الأعراف : 138 ] ، فوعاها السامري وعلم أن من تلك الجهة يفتنون ، ففتنت بنو إسرائيل بالعجل ، وظلت منهم طائفة يعبدونه ، فاعتزلهم هارون بمن تبعه ، فجاء موسى من ميعاده فغضب حسبما يأتي قصصه في مواضعه من القرآن إن شاء اللّه . ثم أوحى اللّه إليه أنه لن يتوب على بني إسرائيل حتى يقتلوا أنفسهم ، ففعلت بنو إسرائيل ذلك ، فروي أنهم لبسوا السلاح ، من عبد منهم ومن لم يعبد وألقى اللّه عليهم الظلام ، فقتل بعضهم بعضا يقتل الأب ابنه والأخ أخاه ، فلما استحر فيهم القتل وبلغ سبعين ألفا عفا اللّه عنهم وجعل من مات منهم شهيدا ، وتاب على البقية ، فذلك قوله : ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ . وقال بعض المفسرين : وقف الذين عبدوا العجل صفا ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم . وقالت طائفة : جلس الذين عبدوا بالأفنية ، وخرج يوشع بن نون ينادي : ملعون من حل حبوته ، وجعل الذين لم يعبدوا يقتلونهم ، وموسى في خلال ذلك يدعو لقومه ويرغب في العفو عنهم ، وإنما عوقب الذين لم يعبدوا بقتل أنفسهم على أحد الأقوال أو بقتلهم قراباتهم على الأقوال الأخر لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبدوا العجل ، وإنما اعتزلوا وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده ، و أَنْتُمْ ظالِمُونَ مبتدأ وخبر في موضع الحال ، وقد تقدم تفسير الظلم ، والعفو تغطية الأثر وإذهاب الحال الأولى من الذنب أو غيره ، ولا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذنب وعفا عنهم عزّ وجل أي عمن بقي منهم لم يقتل ، و لَعَلَّكُمْ ترج لهم في حقهم وتوقع منهم لا في حق اللّه عزّ وجل ، لأنه كان يعلم ما يكون منهم . وقوله تعالى : وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ، إِذْ عطف على ما ذكر من النعم ، و الْكِتابَ هو التوراة بإجماع من المتأولين . واختلف في الْفُرْقانَ هنا فقال الزجاج وغيره هو التوراة أيضا كرر المعنى لاختلاف اللفظ ، ولأنه زاد معنى التفرقة بين الحق والباطل ، ولفظة الكتاب لا تعطي ذلك . وقال آخرون : الْكِتابَ التوراة ، و الْفُرْقانَ سائر الآيات التي أوتي موسى صلى اللّه عليه وسلم ، لأنها فرقت بين الحق والباطل . وقال آخرون : الْفُرْقانَ : النصر الذي فرق بين حالهم وحال آل فرعون بالنجاة والغرق . وقال ابن زيد : « الفرقان انفراق البحر له حتى صار فرقا » . وقال الفراء وقطرب : معنى هذه الآية : آتينا موسى الكتاب ومحمدا الفرقان . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : وهذا ضعيف . و لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ترج وتوقع مثل الأول .