ابن عطية الأندلسي
141
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
ونفس الاستحياء ليس بعذاب ، لكن العذاب بسببه وقع الاستحياء ، و يُذَبِّحُونَ * بدل من « يسومون » . وقوله تعالى : وَفِي ذلِكُمْ إشارة إلى جملة الأمر ، إذ هو خبر فهو كمفرد حاضر ، و بَلاءٌ معناه امتحان واختبار ، ويكون الْبَلاءُ في الخير والشر . وقال قوم : الإشارة ب ذلِكُمْ إلى التنجية من بني إسرائيل ، فيكون الْبَلاءُ على هذا في الخير ، أي وفي تنجيتكم نعمة من اللّه عليكم . وقال جمهور الناس : الإشارة إلى الذبح ونحوه ، و الْبَلاءُ هنا في الشر ، والمعنى وفي الذبح مكروه وامتحان . وحكى الطبري وغيره في كيفية نجاتهم : أن موسى عليه السلام أوحي إليه أن يسري من مصر ببني إسرائيل فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي والمتاع من القبط ، وأحل اللّه ذلك لبني إسرائيل ، فسرى بهم موسى من أول الليل ، فأعلم فرعون فقال لا يتبعنهم أحد حتى تصيح الديكة ، فلم يصح تلك الليلة بمصر ديك حتى أصبح ، وأمات اللّه تلك الليلة كثيرا من أبناء القبط فاشتغلوا في الدفن وخرجوا في الأتباع مشرقين ، وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه ، وكانت عدة بني إسرائيل نيفا على ستمائة ألف ، وكانت عدة فرعون ألف ألف ومائتي ألف . وحكي غير هذا مما اختصرته لقلة ثبوته ، فلما لحق فرعون موسى ظن بنو إسرائيل أنهم غير ناجين ، فقال يوشع بن نون لموسى أين أمرت ؟ فقال هكذا وأشار إلى البحر فركض يوشع فرسه فيه حتى بلغ الغمر ، ثم رجع فقال لموسى أين أمرت ؟ فو اللّه ما كذبت ولا كذبت ، فأشار إلى البحر ، وأوحى اللّه تعالى إليه : أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ [ الشعراء : 63 ] . وأوحى إلى البحر أن انفرق لموسى إذا ضربك ، فبات البحر تلك الليلة يضطرب فحين أصبح ضرب موسى البحر ، وكناه أبا خالد فانفرق وكان ذلك في يوم عاشوراء . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 50 إلى 53 ] وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 50 ) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ( 51 ) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 52 ) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 53 ) فَرَقْنا معناه : جعلناه فرقا ، وقرأ الزهري « فرّقنا » بتشديد الراء ، ومعنى بِكُمُ بسببكم ، وقيل لما كانوا بين الفرق وقت جوازهم فكأنه بهم فرق ، وقيل معناه لكم ، والباء عوض اللام وهذا ضعيف ، و الْبَحْرَ هو بحر القلزم ، ولم يفرق البحر عرضا جزعا من ضفة إلى ضفة ، وإنما فرق من موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة ، وكان ذلك الفرق بقرب موضع النجاة ، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرة بسبب جبال وأوعار حائلة . وذكر العامري أن موضع خروجهم من البحر كان قريبا من برية فلسطين وهي كانت طريقهم .