ابن عطية الأندلسي
123
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
ويجوز فتح الياء من « إني » وتسكينها . قال الكسائي : « رأيت العرب إذا لقيت عندهم الياء همزة فتحوها » . قال أبو علي : « كان أبو عمرو يفتح ياء الإضافة المكسور ما قبلها عند الهمزة المفتوحة والمكسورة ، إذا كانت متصلة باسم ، أو بفعل ، ما لم يطل الحرف فإنه يثقل فتحها ، نحو قوله تعالى : وَلا تَفْتِنِّي أَلا [ التوبة : 49 ] وقوله تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [ البقرة : 152 ] ، والذي يخف : إِنِّي أَرى * [ الأنفال : 48 ، يوسف : 43 ، الصافات : 102 ] و أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ * [ يونس : 72 ، هود : 29 ، سبأ : 47 ] . وقوله تعالى : أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ معناه : ما غاب عنكم ، لأن اللّه لا غيب عنده من معلوماته وما في موضع نصب « بأعلم » . قال المهدوي : ويجوز أن يكون قوله أَعْلَمُ اسما بمعنى التفضيل في العلم ، فتكون ما في موضع خفض بالإضافة . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : فإذا قدر الأول اسما فلا بد بعده من إضمار فعل ينصب غَيْبَ ، تقديره إني أعلم من كل أعلم غيب ، وكونها في الموضعين فعلا مضارعا أخصر وأبلغ . واختلف المفسرون في قوله تعالى : ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فقالت طائفة : ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم وبواطنهم أجمع . وحكى مكي أن المراد بقول ما تُبْدُونَ قولهم : أَ تَجْعَلُ فِيها الآية . وحكى المهدوي أن ما تُبْدُونَ قولهم : ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق أعلم منا ولا أكرم عليه ، فجعل هذا مما أبدوه لما قالوه . وقال الزهراوي : « ما أبدوه هو بدارهم بالسجود لآدم » . واختلف في المكتوم فقال ابن عباس وابن مسعود : المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر والكفر ، ويتوجه قوله تَكْتُمُونَ للجماعة والكاتم واحد في هذا القول على تجوز العرب واتساعها ، كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم : أنتم فعلتم كذا ، أي منكم فاعله . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : وهذا مع قصد تعنيف ، ومنه قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ الحجرات : 4 ] وإنما ناداه منهم عيينة ، وقيل الأقرع ، وقال قتادة : المكتوم هو ما أسره بعضهم إلى بعض من قولهم : ليخلق ربنا ما شاء ، فجعل هذا فيما كتموه لما أسروه ، - وَإِذْ من قوله : وَإِذْ قُلْنا معطوف على إِذْ المتقدمة . وقول اللّه تعالى وخطابه للملائكة متقرر قديم في الأزل ، بشرط وجودهم وفهمهم ، وهذا هو الباب كله في أوامر اللّه سبحانه ونواهيه ومخاطباته و قُلْنا كناية العظيم عن نفسه بلفظ الجمع ، وقوله للملائكة عموم فيهم .