ابن عطية الأندلسي

113

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

واختلف في تفسير هذا العهد : فقال بعض المتأولين : هو الذي أخذه اللّه على بني آدم حين استخرجهم من ظهر أبيهم آدم كالذر . وقال آخرون : بل نصب الأدلة على وحدانية اللّه بالسماوات والأرض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد . وقال آخرون : بل هذا العهد هو الذي أخذه اللّه على عباده بواسطة رسله أن يوحدوه وأن لا يعبدوا غيره . وقال آخرون : بل هذا العهد هو الذي أخذه اللّه تعالى على أتباع الرسل والكتب المنزلة أن يؤمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وأن لا يكتموا أمره . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : فالآية على هذا في أهل الكتاب ، وظاهر ما قبل وبعد أنه في جميع الكفار . وقال قتادة : « هذه الآية هي فيمن كان آمن بالنبي عليه السلام ثم كفر به فنقض العهد » . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : لم ينسب الطبري شيئا من هذه الأقوال ، وكل عهد جائز بين المسلمين فنقضه لا يحل بهذه الآية ، والضمير في مِيثاقِهِ يحتمل العودة على العهد أو على اسم اللّه تعالى ، وميثاق مفعال من الوثاقة ، وهي الشد في العقد والربط ونحوه ، وهو في هذه الآية اسم في موضع المصدر كما قال عمرو بن شييم : [ الوافر ] . أكفرا بعد ردّ الموت عنّي * وبعد عطائك المائة الرّتاعا ؟ أراد بعد إعطائك . وقوله تعالى : ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ، ما في موضع نصب ب يَقْطَعُونَ واختلف الشيء الذي أمر بوصله ؟ فقال قتادة : « الأرحام عامة في الناس » وقال غيره : « خاصة فيمن آمن بمحمد ، كان الكفار يقطعون أرحامهم » . وقال جمهور أهل العلم : الإشارة في هذه الآية إلى دين اللّه وعبادته في الأرض ، وإقامة شرائعه ، وحفظ حدوده . قال القاضي أبو محمد : وهذا هو الحق ، والرحم جزء من هذا ، و أَنْ في موضع نصب بدل من ما ، أو مفعول من أجله . وقيل أَنْ في موضع خفض بدل من الضمير في بِهِ ، وهذا متجه . وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ * يعبدون غير اللّه ويجورون في الأفعال ، إذ هي بحسب شهواتهم ، والخاسر الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز ، والخسران النقص كان في ميزان أو غيره . وقوله تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ لفظه الاستفهام وليس به ، بل هو تقرير وتوبيخ ، أي كيف تكفرون باللّه ونعمه عليكم وقدرته هذه ؟ و كَيْفَ في موضع نصب على الحال والعامل فيها تَكْفُرُونَ ، وتقديرها أجاحدين تكفرون أمنكرين تكفرون ؟ و كَيْفَ مبنية ، وخصت بالفتح لخفته ، ومن قال إن كَيْفَ تقرير