ابن عطية الأندلسي
106
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الجمع مياه وأمواه ، وفي التصغير مويه ، وانطلق اسم الرزق على ما يخرج من الثمرات قبل التملك ، أي هي معدة أن يصح الانتفاع بها فهي رزق ، ورد بهذه الآية بعض الناس قول المعتزلة إن الرزق ما يصح تملكه ، وليس الحرام برزق ، وواحد الأنداد ند ، وهو المقاوم والمضاهي كان مثلا أو خلافا أو ضدا ، ومن حيث قاوم وضاهى فقد حصلت مماثلة ما . وقال أبو عبيدة معمر والمفضل : الضد الند ، وهذا التخصيص منهما تمثيل لا حصر . واختلف المتأولون من المخاطب بهذه الآية ؟ فقالت جماعة من المفسرين : المخاطب جميع المشركين . فقوله على هذا : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ يريد العلم الخاص في أنه تعالى خلق وأنزل الماء وأخرج الرزق ، ولم تنف الآية الجهالة عن الكفار ، وقيل المراد كفار بني إسرائيل ، فالمعنى تعلمون من الكتب التي عندكم ، أن اللّه لا ند له . وقال ابن فورك : « يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين » ، فالمعنى لا ترتدوا أيها المؤمنون ، وتجعلوا للّه أندادا بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن اللّه واحد . وهذه الآية تعطي أن اللّه تعالى أغنى الإنسان بنعمه هذه عن كل مخلوق ، فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا ، فقد أخذ بطرق من جعل للّه ندا ، عصمنا اللّه تعالى بفضله وقصر آمالنا عليه بمنه وطوله ، لا رب غيره . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 23 إلى 24 ] وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( 24 ) الريب الشك ، وهذه الآية تقتضي أن الخطاب المتقدم إنما هو لجماعة المشركين الذين تحدوا ، وتقدم تفسير لفظ سورة في صدر هذا التعليق . وقرأ يزيد بن قطيب : « أنزلنا » بألف . واختلف المتأولون على من يعود الضمير في قوله مِثْلِهِ : فقال جمهور العلماء : هو عائد على القرآن ثم اختلفوا . فقال الأكثر من مثل نظمه ورصفه وفصاحة معانيه التي يعرفونها ولا يعجزهم إلا التأليف الذي خصّ به القرآن ، وبه وقع الإعجاز على قول حذاق أهل النظر . وقال بعضهم : مِنْ مِثْلِهِ في غيوبه وصدقه وقدمه ، فالتحدي عند هؤلاء وقع بالقدم ، والأول أبين و مِنْ على هذا القول زائدة ، أو لبيان الجنس ، وعلى القول الأول هي للتبعيض ، أو لبيان الجنس . وقالت فرقة : الضمير في قوله مِنْ مِثْلِهِ عائد على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ثم اختلفوا . فقالت طائفة : من أمي صادق مثله . وقالت طائفة : من ساحر أو كاهن أو شاعر مثله . على زعمكم أيها المشركون .