الواحدي النيسابوري
87
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ( تفسير الواحدي )
إنّ اللّه لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من النّاس ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، كلّما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم ، حتى إذا لم يبق عالم اتّخذ النّاس رءوسا جهّالا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلّوا وأضلّوا . صدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » ، فقد قبضت الفحول ، وهلكت الوعول ، وانقرض زمان العلم ، وخمدت جمرته ، وهزمته كرّة الجهل ، وعلت دولته ، ولم يبق إلّا صبابة « 2 » نتجرّعها ، وأطمار نجتابها « 3 » ونتدرّعها ، وعليها من حال « 4 » ، فإني كنت قد ابتدأت بإبداع كتاب في التّفسير لم أسبق إلى مثله ، وطال عليّ الأمر في ذلك لشرائط تقلّدتها ، ومواجب من حقّ النّصيحة لكتاب اللّه تعالى تحمّلتها ، ثمّ استعجلني قبل إتمامه ، والتّقصّي عمّا لزمني من عهدة أحكامه نفر متقاصرو الرّغبات ، منخفضو الدّرجات ، أولو البضائع المزجاة ، إلى إيجاز كتاب في التّفسير ، يقرب على من تناوله ، ويسهل على من تأمّله ، من أوجز ما عمل في بابه ، وأعظمه فائدة « 5 » على متحفّظيه وأصحابه . وهذا كتاب أنا فيه نازل إلى درجة أهل زماننا ، تعجيلا لمنفعتهم ، وتحصيلا للمثوبة في إفادتهم ما تمنّوه طويلا ، فلم يغن عنهم أحد فتيلا ، وتارك ما سوى قول واحد معتمد لابن عبّاس رحمه اللّه ، أو من هو في مثل درجته ، كما يترجم عن اللّفظ العويص بأسهل منه ، وهذا حين أفتتحه فأقول : [ قوله تعالى من ] :
--> - وأبي هريرة وعائشة ، وعنه أبو الزناد وابن المنكدر . ولد في أوائل خلافة عثمان ، ومات سنة 194 ه . كان عالما بالسيرة حافظا ثبتا . انظر : طبقات الحفاظ 1 / 62 ؛ وطبقات ابن سعد 5 / 178 ؛ تاريخ البخاري 7 / 31 ؛ سير أعلام النبلاء 4 / 421 . ( 1 ) الحديث أخرجه البخاري في العلم ، باب كيف يقبض العلم . فتح الباري 1 / 194 ؛ ومسلم في العلم برقم 2673 . والرواية : حتى إذا لم يبق عالما . ( 2 ) الصّبابة : البقية من الماء واللبن . القاموس . ( 3 ) الأطمار : جمع طمر ، وهو الثّوب الخلق ، أو الكساء البالي من غير الصوف . ويقال : اجتاب القميص : لبسه - القاموس . ( 4 ) في ظ : عليها وعلى الأحوال كلّها . ( 5 ) في النسخ كلّها عدا الأصل : عائدة .