الثعلبي
35
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
لِلْكافِرينَ وهذا قول الحسن وقتادة قالا : كان هذا بمكّة ، لما بعث الله تعالى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم وخوّفهم بالعذاب والنكال ، قال المشركون بعضهم لبعض : من أهل هذا العذاب اسألوا محمدا لمن هو وعلى من ينزل وبمن يقع ، فبيّن الله سبحانه وأنزل سَأَلَ سائِلٌ عذابا واقعا لِلْكافِرينَ أي على الكافرين ، اللام بمعنى على ، وهو النضر بن الحرث حيث دعا على نفسه وسأل العذاب فقال : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ لأنّه نزل به ما سأل يوم بدر ، فقتل صبرا ولم يقتل من الأسرى يومئذ غيره وغير عقبه بن أبي معيط ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد ، وسئل سفيان بن عيينة عن قول الله سبحانه : سَأَلَ سائِلٌ فيمن نزلت ، فقال : لقد سألتني عن مسألة ما سألني أحد قبلك . حدّثني أبي عن جعفر بن محمد عن آبائه ، فقال : لما كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بغدير خم ، نادى بالناس فاجتمعوا ، فأخذ بيد عليّ رضي اللّه عنه فقال : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » « 1 » . فشاع ذلك وطار في البلاد ، فبلغ ذلك الحرث بن النعمان القهري فأتى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم على ناقة له حتّى أتى الأبطح ، فنزل عن ناقته وأناخها وعقلها ، ثمّ أتى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهو في ملأ من أصحابه فقال : يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسول الله فقبلناه منك ، وأمرتنا أن نصلّي خمسا فقبلناه منك ، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا ، وأمرتنا بالحجّ فقبلنا ، وأمرتنا أن نصوم شهرا فقبلنا ، ثمّ لم ترض بهذا حتّى رفعت بضبعي ابن عمّك ففضلته علينا وقلت : من كنت مولاه فعلي مولاه ، فهذا شيء منك أم من الله تعالى ؟ فقال : « والّذي لا إله إلّا هو هذا من الله » فولّى الحرث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول : اللهمّ إن كان ما يقوله حقا فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ، فما وصل إليها حتّى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله ، وأنزل الله سبحانه : سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ [ 32 ] « 2 » . ومن قرأ بغير همز فله وجهان : أحدهما أنّه لغة في السؤال ، تقول العرب : سال سائل وسأل سال مثل نال ينال ، وخاف يخاف ، والثاني : أن يكون من السيل ، قال زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، سال واد من أودية جهنم يقال له سائل . مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ . قال ابن عباس : يعني ذي السماوات ، وقال ابن كيسان : المعارج الفتق الذي بين سمائين وأرضين ، قتادة : ذي الفواصل والنعم ، سعد بن جبير : ذي الدرجات ، القرطبي : ذي الفضائل العالية ، مجاهد : معارج الملائكة .
--> ( 1 ) مسند أحمد : 1 / 84 ، و 5 / 347 ، والمستدرك : 3 / 110 ، ومصنّف ابن أبي شيبة : 7 / 495 . ( 2 ) تفسير القرطبي : 18 / 279 مورد الآية .