الثعلبي
32
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ صديق ، وقيل : قريب يعينه ، وقيل : هو مأخوذ من الحميم ، وهو الماء الحار كأنه الصديق الذي يرق ويحترق قلبه له . وَلا طَعامٌ وليس له اليوم طعام . إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ وهو صديد أهل النار مأخوذ من الغسل كأنه غسالة جروحهم وقروحهم ، وقال الضحاك والربيع : هو شجر يأكله أهل النار . لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ المذنبون وهم الكافرون . فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ * وَما لا تُبْصِرُونَ ترون وما لا ترون ، وأراد جميع المكونات والموجودات ، وقيل : الدنيا والآخرة . وقيل : ما في ظهر السماء والأرض وما في بطنها . وقيل : الأجسام والأرواح . وقيل : النعم الظاهرة والباطنة . وقال جعفر الصادق : بِما تُبْصِرُونَ من صنعي في ملكي وَما لا تُبْصِرُونَ من برّي بأوليائي . وقال الجنيد : ما تُبْصِرُونَ من آثار الرسالة والوحي على حسن محمد وَما لا تُبْصِرُونَ من السر معه ليلة الإسراء . وقيل : ما أظهر الله للملائكة واللوح والقلم ، وما استأثر بعلمه فلم يطلع عليه أحدا . وقيل : ما تُبْصِرُونَ : الإنس وَما لا تُبْصِرُونَ : الجن والملائكة . وقال ابن عطا : ما تُبْصِرُونَ من آثار القدرة وَما لا تُبْصِرُونَ من أسرار القرية . إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ أي تلاوة محمد وتبليغه ، وقيل : لقول مرسل رسول كريم فحذف كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ « 1 » . وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ قرأ ابن عامر ويعقوب أبو حاتم : يؤمنون ويذكرون بالياء ، وغيرهم بالتاء فيهما تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ تخرّص واختلق عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ قيل : من صلة مجازه : لعاقبناه وانتقمنا منه بالحق كقوله : قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ « 2 » أي من قبل الحق . وقال ابن عباس : لأخذناه بالقوة والقدرة ، كقول الشاعر : إذا ما راية رفعت لمجد * تلقّاها غرابة باليمن « 3 » وقيل : معناه لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه ، وهو مثل معناه لأذللناه وأهناه ، وهذا
--> ( 1 ) سورة يوسف : 82 . ( 2 ) سورة الصّافات : 28 . ( 3 ) الصحاح : 1 / 180 .