الثعلبي
240
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ الآمن ، يعني مكة ، وأنشد الفرّاء : ألم تعلمي يا أسم ويحك أنني * حلفت يمينا لا أخون أميني يريد آمني . لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ أعدل قامة وأحسن صورة ، وذلك أنه خلق كل شيء منكبّا على وجهه إلّا الإنسان . وقال أبو بكر بن ظاهر : مزينا بالعقل ، مؤدّبا بالأمر ، مهذّبا بالتمييز ، مديد القامة ، يتناول مأكوله بيده . ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ يعني إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ * ، ينقص عمره ويضعف بدنه ويذهب عقله . قال ابن عباس : [ إنّ ] نفرا ردوا إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ * على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فأنزل الله عذرهم وأخبر أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم . قال عكرمة : لم يضرّ هذا الشيخ الهرم كبره إذا ختم الله تعالى له بأحسن ما كان يعمل . قال أهل المعاني : السافلون : الضعفى والهرمى والزمنى ، فقوله ( أَسْفَلَ سافِلِينَ ) نكرة تعمّ الجنس ، كما تقول : فلان أكرم قائم ، فإذا عرّفت قلت : القائمين . أخبرني ابن فنجويه قال : حدّثنا محمد بن عبد الله بن مهران قال : حدّثنا جعفر بن محمد الفراي قال : حدّثنا قتيبة بن سعيد قال : حدّثنا خالد الزيات قال : حدّثنا داود أبو سليمان ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمّر بن حزم الأنصاري ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « المولود حتى يبلغ الحنث ما عمل من حسنة كتبت لوالديه ، فإن عمل سيئة لم تكتب عليه ، ولا على والديه ، فإذا بلغ الحنث وجرى عليه القلم ، أمر الله الملكين اللذين معه يحفظانه ويسدّدانه ، فإذا بلغ أربعين سنة في الإسلام آمنه الله سبحانه من البلايا الثلاث : من الجنون والجذام والبرص ، فإذا بلغ خمسين خفف الله حسابه ، فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة إليه فيما يحب ، فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء ، فإذا بلغ الثمانين كتب الله حسناته وتجاوز عن سيئاته ، فإذا بلغ تسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وشفّعه في أهل بيته ، وكان اسمه أسير الله في الأرض ، فإذا بلغ أرذل الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ، كتب الله سبحانه له مثل ما كان يعمل في صحته من الخير ، وإن عمل سيئة لم تكتب عليه » [ 182 ] « 1 » . وقال الحسن ومجاهد وقتادة : يعني ثُمَّ رَدَدْناهُ إلى النار . وقال أبو العالية : يعني إلى النار في شر صورة ، في صورة خنزير .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير : 3 / 217 . كنز العمال : 15 / 766 ح 43011 .