الثعلبي
234
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
قال العلماء في معنى هذا الحديث : لأنه عرّف العسر ونكّر اليسر ، ومن عادة العرب إذا ذكرت اسما معرفة ثم أعادته فهو هو ، وإذا نكرّته ثم كررته فهما اثنان ، وقال الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني صاحب كتاب ( النظم ) وهو يكلم الناس في قوله ( عليه السلام ) : « لن يغلب عسر يسرين » [ 177 ] : فلم يحصل غير قولهم : إن العسر معرفة واليسر نكرة مكررة ، فوجب أن يكون [ عسر ] واحد ويسران ، وهذا قول مدخول [ إذ ] لا يجب على هذا التدريج إذا قال الرجل : إنّ مع الفارس سيفا إنّ مع الفارس سيفا أن يكون الفارس واحدا والسيف اثنين ، ولا يصح هذا في نظم العربية . فمجاز قوله : « لن يغلب عسر يسرين » إن الله بعث نبيّه ( عليه السلام ) مقلّا مخففا فعيّره المشركون لفقره ، حتى قالوا أنجمع لك مالا ؟ فاغتمّ ، فظنّ أنهم كذّبوه لفقره ، فعزّاه الله سبحانه وتعالى وعدد عليه نعماءه ووعده الغنى فقال : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ إلى قوله ذِكْرَكَ ، فهذا ذكر امتنانه عليه ، ثم ابتدأ ما وعده من الغنى ليسلّبه مما خامر قلبه ، فقال فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ، والدليل عليه دخول الفاء في قوله ( فَإِنَّ ) ولا يدخل الفاء أبدا إلّا في عطف أو جواب . ومجازه : لا يحزنك ما يقولون فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً في الدنيا عاجلا ، ثم أنجزه ما وعده وفتح عليه القرى العربية ، ووسّع ذات يده ، حتى يهب المائتين من الإبل ، ثم ابتدأ فضلا آخر من الآخرة فقال تأسية له : إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ، والدليل على ابتدائه تعرّيه من الفاء والواو وحروف النسق فهذا عام لجميع المؤمنين ، ومجازه : إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ في الدنيا للمؤمنين يُسْراً في الآخرة لا محالة ، فقوله : « لن يغلب عسر يسرين » ! أي لن يغلب عسر الدنيا اليسر الذي وعد الله المؤمنين في الدنيا ، واليسر الذي وعدهم في الآخرة ، إنما يغلب أحدهما وهو يسر الدنيا ، فأمّا يسر الآخرة فدائم غير زايل ؛ اي لا يجمعهما في الغلبة ، كقوله ( عليه السلام ) « شهرا عيد لا ينقصان » اي لا يجتمعان في النقصان . وقال أبو بكر الوراق : مع [ أختها ] بالدنيا جزاء الجنة ، قال القاسم : [ بردا هذه السعادة من أسحار ] « 1 » الدنيا إلى رضوان العقبى ، وقراءة العامة بتخفيف السينين ، وقرأ أبو جعفر وعيسى ، بضمهما ، وفي حرف عبد الله : إنّ مع العسر يسرا ، مرة واحدة غير مكررة . أخبرني أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن محمد الرمجاري وأبو الحسن علي بن محمد ابن محمد البغدادي قالا : حدّثنا محمد بن يعقوب الأصم قال : حدّثنا أحمد بن شيبان الرملي قال : حدّثنا عبد الله بن ميمون القداح قال : حدّثنا شهاب بن خراش ، عن عبد الملك بن عمير ، عن ابن عباس قال : أهدي للنبي صلى اللّه عليه وسلم بغلة ، أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر ، ثم أردفني
--> ( 1 ) كذا في المخطوط .