الثعلبي
22
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وبه قال أبو جعفر بن جرير الطبري ، حدّثنا أبو لهب ، حدّثنا أبو بكر ، حدّثنا الأعمش ، عن المنهال عن قيس بن بكر ، قال : حدثني عبد اللّه وهو عند عمر قال : إذا كان يوم القيامة يقوم الناس بين يدي رب العالمين أربعين عاما ، شاخصة أبصارهم إلى السماء ، حفاة عراة يلجمهم العرق ، ولا يكلّمهم بشيء أربعين عاما ، ثمّ ينادي مناد : يا أيها الناس أليس عدلا من ربكم الذي خلقكم وصوّركم ورزقكم ثمّ عبدتم غيره أن يولي كل قوم ما تولوا ؟ قالوا : نعم ، قال : فيرفع لكل قوم ما كانوا يعبدون من دون اللّه فيتبعونها حتى تقذفهم في النار ، فيبقى المسلمون والمنافقون فيقال : ألا تذهبون قد ذهب الناس ؟ فيقولون : حتى يأتينا ربّنا ، قال : وتعرفونه ؟ قالوا : إن اعترف لنا ، قال : فعند ذلك يكشف عن ساق ويتجلى لهم فيخرّ من كان يعبده ساجدا ويبقى المنافقون لا يستطيعون كأنّ في ظهورهم السفافيد فيذهب بهم إلى النار ويدخل هؤلاء الجنّة ، فذلك قوله سبحانه وتعالى : وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وذلك أن المؤمنين يرفعون رؤوسهم ووجوههم أشد بياضا من الثلج ، وتسوّد وجوه الكافرين والمنافقين . وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ في الدنيا . إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ أصحاء فلا يأتونه ويأبونه . قال إبراهيم التيمي : يدعون إلى الصلاة المكتوبة بالأذان والإقامة فيأبونه . وقال سعيد بن جبير : كانوا يسمعون حيّ على الفلاح فلا يجيئون . قال كعب الأحبار : واللّه ما نزلت هذه الآية إلّا في الذين يتخلّفون عن الجماعات . ويروى أنّ ربيع بن الجثم عرض له الفالج فكان يتهادى « 1 » بين رجلين إلى المسجد ، فقيل له : يا أبا يزيد لو جلست فإن لك رخصة ، قال : من سمع حي على الفلاح فليجب ولو حبوا . قيل لسعيد بن المسيب : إنّ طارقا يريد قتلك فتغيّب ، فقال : أحيث لا يقدره عليّ اللّه ، فقيل له : فاجلس ، فقال : أسمع حيّ على الفلاح فلا أجيب « 2 » . فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ أي فدعني والمكذبين بهذا القرآن . سَنَسْتَدْرِجُهُمْ سنأخذهم مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ فيعذّبوا يوم بدر . وقيل : معناه سنزيدهم حزنا وخذلانا فيزدادوا عصيانا وطغيانا . وقال سفيان الثوري : يسبغ عليهم النعم وينسيهم الشكر . وقال [ العباد ] « 3 » : لم نعاقبهم في وقت مخالفتهم فيستيقظوا بل أمهلناهم ومددنا لهم في النعم حتى زال عنهم خاطر التدبير ، فكانوا منعّمين في الظاهر مستدرجين في الحقيقة .
--> ( 1 ) في المخطوط : تهادى . ( 2 ) تفسير القرطبي : 18 / 251 . ( 3 ) كذا في المخطوط .