الثعلبي

189

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ * لِسَعْيِها في الدنيا راضِيَةٌ في الآخرة حين أعطيت الجنّة بعملها ومجازات لثواب سعيها في الآخرة راضية فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً لغو وباطل ، وقيل : حلف كاذب . فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ * فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمارِقُ ووسائد ومرافق مَصْفُوفَةٌ بعضها بجنب بعض ، واحدتها نمرقة . قال الشاعر : كهول وشبّان حسان وجوههم * على سرر مصفوفة ونمارق « 1 » وَزَرابِيُّ يعني البسط العريضة . قال ابن عبّاس : هي الطنافس التي لها خمل رقيق ، واحدتها زريبة . مَبْثُوثَةٌ مبسوطة وقيل : متفرّقة في المجالس . أَ فَلا يَنْظُرُونَ الآية ، قال المفسّرون لمّا نعت الله ما في الجنّة في هذه السورة عجب من ذلك أهل الكفر والضلالة وكذبوا بها ، فذكرهم الله سبحانه صنعه فقال عزّ من قائل : أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ . وكانت الإبل من عيش العرب ومن حولهم ، وتكلّمت الحكماء في وجه تخصيص الله سبحانه الإبل من بين سائر الحيوانات ، فقال مقاتل : لأنّهم لم يروا قط بهيمة أعظم منها ، ولم يشاهدوا الفيل إلّا الشاذّ منهم ، وقال الكلبي : لأنّها تنهض بحملها وهي باركة ؛ لأنّه وليس شيء من الحيوانات سابقها ولا سائقها غيرها ، وقال قتادة : ذكر الله سبحانه ارتفاع سرر الجنّة وفرشها فقالوا : كيف نصعد ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية . وسئل الحسن عن هذه الآية وقيل له : الفيل أعظم في الأعجوبة ؟ فقال : أمّا الفيل فالعرب بعيدو « 2 » العهد بها ، ثمّ هو خنزير لا يركب ظهرها ولا يأكل لحمها ولا يحلب درها ، والإبل من أعزّ مال العرب وأنفسه . وقال الحسن : إنّما يأكلون النوى والقت ويخرج « 3 » اللبن ، وقيل : لأنّها في عظمة تلين للحمل الثقيل وتنقاد للقائد الضعيف حتّى أنّ الصبي الصغير يأخذ بزمامها فيذهب بها حيث يشاء . وحكى الأستاذ أبو القاسم بن حبيب أنّه رأى في بعض التفاسير أنّ فأرة أخذت بزمام ناقة ، فجعلت تجرّ بها والناقة تتبعها ، حتّى دخلت الجحر فجرّت الزمام فتحرّكت فجرّته فقربت فمها من جحر الفأر . فسبحان الذي قدّرها وسخّرها . أخبرنا عبد الله بن حامد قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله قال : حدّثنا محمد بن العلاء قال : حدّثنا وكيع عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن شريح أنّه كان يقول : اخرجوا بنا إلى الكناسة حتّى ننظر إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 20 / 34 . ( 2 ) في المخطوط : بعيد . ( 3 ) هكذا في المخطوط .