الثعلبي

78

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

ويظهر براءتكم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يعني من الذين جاءوا بالإفك مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ جزاء ما اجترح من الذنب والمعصية . وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ والذي تحمّل معظمه فبدا بالخوض فيه ، وقراءة العامة كِبْرَهُ : بكسر الكاف ، وقرأ خليل والأعرج ويعقوب الحضرمي بضم الكاف . قال أبو عمرو بن العلاء : هو خطأ لأن الكبر بضم الكاف في الولاء والسن ، ومنه الحديث : الولاء للكبر ، وهو أكبر ولد الرجل من الذكورة وأقربهم إليه نسبا . وقال الكسائي : هما لغتان مثل صفر وصفر ، واختلف المفسّرون في المعنيّ بقوله وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ . فقال قوم : هو حسّان بن ثابت . روى داود بن أبي هند عن عامر الشعبي أنّ عائشة رضي اللّه عنها قالت : ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسّان ، وما تمثلت به إلّا رجوت له الجنة ، قوله لأبي سفيان : هجوت محمدا فأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء فانّ أبي ووالدتي وعرضي * لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفؤ * فشرّكما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه * وبحري لا تكدّره الدلاء « 1 » فقيل : يا أم المؤمنين أليس الله يقول وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ . قالت : أليس قد أصابه عذاب عظيم ؟ أليس قد ذهب بصره وكنع بالسيف . وروى أبو الضحى عن مسروق قال : كنت عند عائشة فدخل حسّان بن ثابت فأمرت فألقي له وسادة ، فلمّا خرج قلت لعائشة : تدعين هذا الرجل يدخل عليك وقد قال ما قال ، وأنزل الله سبحانه فيه وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ؟ . فقالت : وأىّ عذاب أشد من العمى ، ولعلّ الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره ، وقالت : انه كان يدفع عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم . وقال آخرون : بل هو عبد الله بن أبي سلول وأصحابه . روى ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة قالت في حديث الإفك : ثمّ ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملإ من المنافقين وكانت عادتهم أن ينزلوا منتبذين من الناس . فقال عبد الله بن

--> ( 1 ) جامع البيان للطبري : 18 / 115 .