الثعلبي
147
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا واختلف القرّاء فيه فقرأ أهل المدينة والشام : يُقْتِرُوا بضم الياء وكسر التاء ، وقرأ أهل الكوفة بفتح الياء وضم التاء ، غيرهم بفتح الياء وكسر التاء وكلّها لغات صحيحة ، يقال : أقتر وقتر يقتر ويقتر مثل يَعْرِشُونَ * و يَعْكُفُونَ ، واختلف المفسرون في معنى الإسراف والإقتار ، فقال بعضهم : الإسراف : النفقة في معصية الله وإن قلّت ، والإقتار : منع حق الله سبحانه وتعالى ، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج وابن زيد . أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري قال : حدّثنا محمد بن عمر بن إسحاق الكلواذي قال : حدّثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث « 1 » قال : حدّثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الرملي قال : حدّثنا أبي قال : حدّثنا سهيل بن أبي حزم عن كثير بن زياد أبي سهل عن الحسن في هذه الآية قال : لم ينفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عن فرائض الله . وقال بعضهم : الإسراف أن تأكل مال غيرك بغير حق . قال عون بن عبد الله بن عتبة : ليس المسرف من أكل ماله ، إنما المسرف من يأكل مال غيره . وقال قوم : السرف : مجاوزة الحد في النفقة ، والإقتار : التقصير عما ينبغي مما لا بد منه ، وهذا الاختيار لقوله وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ أي وكان إنفاقهم بين ذلك قَواماً عدلا وقصدا وسطا بين الإسراف والإقتار . قال إبراهيم : لا يجيعهم ولا يعريهم ، ولا ينفق نفقة تقول الناس : قد أسرف . مقاتل : كسبوا طيّبا ، وأنفقوا قصدا ، وقدموا فضلا ، فربحوا وأنجحوا . وقال يزيد بن أبي حبيب في هذه الآية : أولئك أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلّم كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة ، ولا يلبسون ثوبا للجمال ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسدّ عنهم الجوع ويقويهم على عبادة ربّهم ، ومن الثياب ما يستر عوراتهم ويكنّهم من الحرّ والقرّ . وأخبرني ابن فنجويه قال : حدّثنا ابن حنش قال : حدّثنا ابن زنجويه قال : حدّثنا سلمة قال : حدّثنا عبد الرزاق عن أبي عيينة عن رجل عن الحسن في قوله سبحانه يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا إنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كفى سرفا ان لا يشتهي رجل شيئا إلا اشتراه فأكله . وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الآية .
--> ( 1 ) في النسخة الثانية زيادة : بن هارون بن سليمان الأشعث .