الثعلبي
99
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
الوفاء ببيعة الله وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ . ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية ، واختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية . فروى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى اللّه عليه وسلّم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال له رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : « أي عم إنك أعظم الناس عليّ حقا وأحسنهم عندي [ قولا ] ولأنت أعظم عليّ حقا من والدي فقل كلمة تجب لك بها شفاعتي يوم القيامة . قل : لا إله إلا الله احاجّ لك بها عند الله » . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ، فلم يزالا يكلمانه حتى كان آخر شيء تكلم به : أنا على ملة عبد المطلب . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « لأستغفر لك يا عم الله » [ 62 ] فنزلت ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية ، ونزلت إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ « 1 » الآية « 2 » . قال الحسن بن الفضل : وهذا بعيد لأن السورة من آخر ما نزل من القرآن ، ومات أبو طالب في عنفوان الإسلام والنبي صلى اللّه عليه وسلّم بمكة . وقال عمرو بن دينار : قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى نهاني عنه ربي . فقال أصحابه : لنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي صلى اللّه عليه وسلّم لعمّه . فأنزل الله تعالى هذه الآية « 3 » . وروى جعفر بن عون عن موسى بن عبيدة عن محمّد بن كعب [ قال حدثنا محمد بن عبد الوهاب أخبرنا جعفر بن عون ] « 4 » قال : بلغني أنه لما اشتكى أبو طالب شكواه الذي قبض فيه ، قالت قريش له : يا أبا طالب أرسل إلى ابن أخيك فيرسل إليك من هذه الجنّة فيكون لك شفاء ، فخرج الرسول حتى وجد رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم أبو بكر معه جالس فقال زيد : إنّ عمك يقول لك يا ابن أخي إني كبير وشيخ ضعيف فادعوا إليّ من جنتك هذه التي تذكر من طعامها وشرابها شيء يكون لي فيه شفاء .
--> ( 1 ) سورة القصص : 56 . ( 2 ) المستدرك 2 / 336 . ( 3 ) قال ابن حجر في فتح الباري : « وهذا فيه إشكال لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقا ، وقد ثبت أن النبي ( صلى اللّه عليه وسلّم ) أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربّه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية ، والأصل عدم تكرار النزول » ثم ذكر عدة روايات في ذلك من طرق مختلفة إلى أن قال : « فهذه طرق يعضد بعضها بعضا وفيها دلالة على تأخير نزول الآية عن وفاة أبي طالب ، . . ، ويؤيد تأخير النزول ما تقدم في تفسير براءة من استغفاره ( صلى اللّه عليه وسلّم ) للمنافقين حتى نزل النهي عن ذلك . . . » انتهى كلامه ( فتح الباري : 8 / 391 ، تفسير سورة القصص ح 4494 . ( 4 ) زيادة عن أسباب النزول للواحدي : 177 .