الثعلبي

354

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ يوم القيامة عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا . وروى أنس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية قال : « عن لا إله إلّا الله » « 1 » . قال عبد الله : والذي لا إله غيره ما منكم من أحد إلّا سيخلو الله تعالى به يوم القيامة ، [ كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر ] فيقول : يا ابن آدم ماذا غرك مني ، يا ابن آدم ما عملت فيما علمت ، يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين « 2 » . واعترضت الملحدة بأبصار كليلة وأفهام عليلة على هذه الآية على قوله : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ « 3 » وحكموا عليهما بالتناقض . والجواب عنه : ما روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله : لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ وقوله : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ « 4 » . قال : لا نسألهم هل عملتم كذا وكذا ، لأنه أعلم بذلك منهم ، ولكن يقول لهم : لم عملتم كذا وكذا ؟ واعتمد قطرب هذا القول ، وقال : السؤال على ضربين : سؤال استعلام واستخبار ، وسؤال توبيخ وتقرير . فقوله : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ يعني استعلاما واستخبارا ، لأنه كان عالما بهم قبل أن يخلقهم . وقوله : لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ يعني تقريعا وتقريرا ليريهم القدرة في تعذيبنا إياهم . وقال عكرمة : سألت مولاي عبد الله بن عبّاس عن الآيتين ، فقال : إن يوم القيامة يوم طويل وفيه مواقف ، يسألون في بعض المواقف ولا يسألون في بعضها . ونظيره قوله : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ « 5 » وقال في آية أخرى : ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ « 6 » . وقال بعضهم : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ إذا كان المذنب مكرها مضطرا ، و لَنَسْئَلَنَّهُمْ إذا كانوا مختارين ، وقيل : لا يسأل إذا كان الذنب في حال الصبى أو الجنون أو النوم ، بيانه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « رفع القلم عن ثلاث » « 7 » [ 190 ] وقولهم : لَنَسْئَلَنَّهُمْ ، إذا كان عملهم خارجا من هذه الأحوال ، وقيل : لا يسأل إذا كان الذنب في حال الكفر .

--> ( 1 ) مسند أبي يعلي : 7 / 112 . ( 2 ) انظر : تفسير الطبري : 14 / 90 ، وتفسير القرطبي : 2 / 579 . ( 3 ) سورة الرحمن : 39 . ( 4 ) سورة الرحمن : 39 . ( 5 ) سورة الأنفال : 48 . ( 6 ) سورة الزمر : 31 . ( 7 ) مسند أحمد : 1 / 116 .