الثعلبي
312
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ « 1 » معناه يوم القيامة ترى وجوه الذين كذبوا على الله وجوههم مسودّة سيئة ، في الآية إضمار معناها ولا يمنّ عليك مثل الذين كفروا بربهم ، ثم ابتدأ وأخذ يفسره فقال : أعمالهم كَرَمادٍ وإن شئت جعلت المثل صفة فقلت الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ وصف اليوم بالعصوف وهو من صفة الريح ؛ لأن الريح تكون فيه كما يقال يوم بارد وحار ؛ لأن البرد والحر يكونان فيه ، وليل نائم ونهار صائم . قال الله وَالنَّهارَ مُبْصِراً * « 2 » ويدلّ عليه الليل والنهار . قال الشاعر : يومين غيمين ويوما شمسا « 3 » وقال الفراء : إن شئت قلت : في يوم في عصوف وإن شئت قلت : في يوم عاصف الريح ، تحذف الريح ؛ لأنها قد ذكرت قبل ذلك . كقول الشاعر : إذا جاء يوم مظلم الشمس كاسف « 4 » أراد كاسف الشمس . وقيل هو من نعت الريح غير أنه لما جاء بعد اليوم أتبع إعرابه كما قيل ( حجر ضب خرب ) ونحوه ، وهذا مثل ضربه الله لأعمال الكافر يعني هم لا ينتفعون بأعمالهم التي عملوها في الدنيا ؛ لأنهم أشركوا فيها كما أنّ الرماد الذي فرّقه الريح لا ينتفع به . فذلك قوله لا يَقْدِرُونَ يعني الكفار مِمَّا كَسَبُوا في الدنيا عَلى شَيْءٍ في الآخرة ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ . أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ . قرأ أهل الكوفة إلّا عامر : خالق السماوات والأرض على التعظيم « 5 » . وقرأ الآخرون : خَلَقَ السَّماواتِ على الفصل بِالْحَقِّ قال المفسرون : لم يخلقهما باطلا وإنما خلقهما لأمر عظيم . إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ يبدلكم أحسن وأفضل وأطوع منكم ، وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ منيع متعذر وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً خرجوا من قبورهم وظهروا لله جميعا ،
--> ( 1 ) سورة الزمر : 60 . ( 2 ) سورة يونس : 67 . ( 3 ) جامع البيان للطبري : 13 / 258 . ( 4 ) لسان العرب : 9 / 248 ، جامع البيان للطبري : 13 / 258 . ( 5 ) على وزرن : فاعل ، راجع تفسير الطبري : 13 / 260 .