الثعلبي

207

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

صالحين تائبين ، فغلب أمره حتى نسوا الذنب وأصروا حتى أقروا بين يدي يوسف في آخر الأمر بعد أربعين سنة ، وقالوا : وإن كنا خاطئين ، وقالوا لأبيهم : إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ . ثم أرادوا أن يغرّوا باسم القميص والدم والبكاء ، فغلب أمره حتى لم يخدع ، وقال : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ثم احتالوا أن تذهب محبته من قبل أبيه ، فغلب أمره حتى ازدادت المحبة والشوق في قلبه ، ثم تدبّر يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي ، فغلب أمره حتى نسي الساقي في ذكره ، ولبث في السجن بضع سنين ، ثم احتالت امرأة العزيز أن [ تترك ] المراودة عن نفسها حتى قالت ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً الآية ، فغلب أمره حتى شهد الشاهد من أهلها . وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ أي منتهى شبابه وشدّة قوته ، قال مجاهد : ثلاثا وثلاثين سنة ، الضحاك : عشرين سنة ، وروى ابن عباس أنه ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة ، وقيل : إلى أربعين ، وقيل : إلى ستين ، والأشدّ : جمع شد ، مثل قدّ ، أقدّ ، وشرّ وأشرّ ، وضر وأضرّ ، قال حميد : وقد أتى لو تعبت العواذل * بعد الأشل أربع كوامل قال الشاعر : هل غير أن كثر الأشل وأهلكت * حرب الملوك أكاثر الأموال « 1 » آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً قال مجاهد : العقل والفهم والعلم قبل النبوة ، وقال أهل المعاني : يعني إصابة في القول ، وعلما بتأويل الرؤيا وموارد الأمور ومصادرها . وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ قال ابن عباس : المؤمنين ، وعنه أيضا : المهتدين ، وقال [ الصدوق ] عن الضحاك : يعني الصابرين على النوائب كما صبر يوسف ، وقال محمد بن كعب : هذا وإن كان مخرج ظاهره على كل محسن ، فإن المراد به محمد نبي الله صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : كما فعلت بيوسف بعد ما لقي من إخوته ما لقي وقاسى من البلاء ما قاسى فمكّنته في الأرض ، ووطّأت له في البلاد ، وآتيته الحكم والعلم فكذلك أفعل بك ، أنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة ، وأمكّن لك في الأرض ، وأزيدك الحكم والعلم ؛ لأن ذلك جزائي لأهل الإحسان في أمري ونهيي .

--> ( 1 ) تفسير الطبري : 12 / 231 .