الثعلبي
201
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وقرأ أبو عمرو بالنون فيهما وكذلك ابن عامر قال ، هارون : فقلت لأبي عمرو : كيف تقرأ نرتع ونلعب وهم أنبياء ؟ قال : لم يكونوا يومئذ أنبياء « 1 » ، وقرأ أهل الكوفة كلاهما بالياء أي ننعم ونأكل وننشط ونلهو ، يقال : رتع فلان في ماله إذا أنعم وأنفقه في شهواته . قال القطامي : أكفرا بعد ردّ الموت عنّي * وبعد عطائك المائة الرتاعا « 2 » وقال ابن زيد : معناه يرعى غنمه ، وينظر ويعقل فيعرف ما يعرف الرجل « 3 » . وقرأ يعقوب نرتع بالنون وَيَلْعَبْ بالياء ردّا للعب إلى يوسف والرتوع إلى إخوته ، وقرأ أهل الحجاز نرتعِ بكسر العين من الارتعاء ، أي نتحارس ويحفظ بعضنا بعضا وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ . قالَ لهم يعقوب إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ أي ذهابكم وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ لا تشعرون ، وذلك أن يعقوب رأى في منامه أن الذئب قد شدّ على يوسف وكان يحذره ، ومن ثم قال هذا فلقّنهم العلة وكانوا لا يدرون فقالوا : لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ عشرة رجال إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ ضعفة عجزة مغبونون . فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ في الكلام إضمار واختصار تقديره فأرسله معهم فلمّا ذهبوا به وَأَجْمَعُوا وعزموا على أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ هذه الواو مقحمة زائدة تقديره أوحينا ، كقوله تعالى فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ أي ناديناه وقال امرؤ القيس : فلما أجزنا ساحة الحيّ وانتحى * بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل « 4 » أراد انتحى . لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يعني أوحينا إلى يوسف ، [ سوف تتحقق ] رؤياك ، ولتخبرنّ إخوتك بصنيعهم هذا وما فعلوه بك ، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بوحي الله إليه وإعلامه إياه ذلك ، وهذا معنى قول مجاهد ، وقيل « 5 » : معناه وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنك يوسف . قال ابن عباس : لما دخل إخوة يوسف على يوسف فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطنّ وقال : أنه ليخبرني هذا الجام إنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف ، يدنيه دونكم ، وإنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب ثم جئتم أباكم فقلتم : إن
--> ( 1 ) تفسير الطبري : 12 / 206 . ( 2 ) لسان العرب : 15 / 69 . ( 3 ) المصدر السابق . ( 4 ) غريب الحديث : 2 / 188 . ( 5 ) قاله أبو صالح عن ابن عبّاس ( زاد المسير : 4 / 147 )