الثعلبي

175

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يقول : إنّ ربي على طريق الحق يجازي المحسن بإحسانه والمسئ بمعصيته ولا يظلم أحدا غيّا ولا يقبل إلّا الإسلام ، والقول فيه إضمار أنّي : إنّ ربي يدلّ أو يحثّ أو يحملكم على صراط مستقيم . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ أي قل يا محمد : فقد أبلغتكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ يوحّدونه ويعبدونه وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً بتولّيكم وإعراضكم وإنما تضرون أنفسكم ، وقيل : معناها لا تقدرون له على خير إن أراد أن يضلكم ، وقرأ عبد الله : ولا يضره هلاككم إذا أهلككم ولا تنقصونه شيئا ، لأنه سواء عنده كنتم أو لم تكونوا . إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ أي لكل شيء حافظ ، على بمعنى اللام ، فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء . وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا عذابنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وكانوا أربعة آلاف بِرَحْمَةٍ بنعمة مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ وقيل : الريح ، قيل : أراد بالعذاب الغليظ عذاب القيامة أي كما نجّيناهم في الدنيا من العذاب كذلك نجّيناهم في الآخرة من العذاب . وَتِلْكَ عادٌ رده إلى القبيلة جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ يعني هودا وحده لأنه لم يرسل إليهم من الرسل سوى هود ، ونظيره قوله تعالى يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ يعني النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وإنه لم يكن في عصره رسول سواه ، وإنما جمع هاهنا لأن من كذّب رسولا واحدا فقد كذّب جميع الرسل . وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ متكبّر لا يقبل الحق ولا يذعن له ، قال أبو عبيد : العنيد والعنود والعاند والمعاند : المعارض لك بالخلاف ، ومنه قيل للعرق الذي يفجر دما فلا يرقى : عاند قال الراجز : إنّي كبير لا أطيق العندا « 1 » وَأُتْبِعُوا ألحقوا وأردفوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً يعني بعدا وعذابا وهلاكا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أي وفي يوم القيامة أيضا كذلك لعنوا في الدنيا والآخرة أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أي بربهم ، كما يقال : شكرته وشكرت له ، وكفرته وكفرت به ونصحته ونصحت له ، قيل بمعنى : كفروا نعمة ربهم . أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ البعد بعدان : أحدهما البعد ضد القرب ، يقال : بعد يبعد بعدا ، والآخر بمعنى الهلاك ويقال منه : بعد يبعد بعدا وبعدا .

--> ( 1 ) لسان العرب : 3 / 307 ، ومطلعه : إذا رحلت فاجعلوني وسطا .