الثعلبي

171

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

ورسوّها أي ثبوتها ، جرى يجري جريا ومجرى ، ورسا يرسو رسوّا ومرسى ، مثل ذهب مذهبا وضرب مضربا . قال امرؤ القيس : تجاوزت أحراسا وأهوال معشر * عليّ حرام لو يسرّون مقتلي « 1 » أي : قتلي . وقرأ الباقون بضم الميمين ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ، ومعناه : بسم الله إجراؤها وإرساؤها ، كقوله تعالى أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً و أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ بمعنى الإنزال والإدخال والإخراج . إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ قال الضحاك : كان نوح إذا أراد أن يرسو قال : بِسْمِ اللَّهِ ، فرست ، وإذا أراد أن تجري قال : بِسْمِ اللَّهِ ، فجرت . وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ كنعان وكان عنيدا وقيل وكان كافرا . وَكانَ فِي مَعْزِلٍ عنه لم يركب معه الفلك . يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ فتهلك ، قال له ابنه : سَآوِي سأصير وأرجع إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي يمنعني مِنَ الْماءِ ومنه عصام القربة الذي [ يربط ] رأسها فيمنع الماء أن يسيل منها . قالَ نوح لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عذاب الله إلّا من رحمناه ، وأنقذناه منه ، ومن في محل رفع ، وقيل : في محل النصب ومعناه لا معصوم اليوم من أمر الله إلّا من رحمه الله ، كقوله تعالى عِيشَةٍ راضِيَةٍ * و ماءٍ دافِقٍ قال الشاعر : بطيء القيام رخيم الكلام * أمسى فؤادي به فاتنا أي مفتونا . وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ فصار مِنَ الْمُغْرَقِينَ وَقِيلَ بعد ما تناهى أمر الطوفان يا أَرْضُ ابْلَعِي أي اشربي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي امسكي وَغِيضَ الْماءُ فذهب ونقص ومصدره الغيض والغيوض . وَقُضِيَ الْأَمْرُ أي وفرغ من العذاب وَاسْتَوَتْ يعني السفينة استقرّت ورست وحلّت عَلَى الْجُودِيِّ وهو جبل بالجزيرة بقرب الموصل ، قال مجاهد : تشامخت الجبال وتطاولت لئلّا ينالها الماء فعلا الماء فوقها خمسة عشر ذراعا وتواضع الجودي وتطامن لأمر ربّه فلم يغرق ، فأرسيت السفينة عليه .

--> ( 1 ) إعجاز القرآن للباقلاني : 171 .