الثعلبي
69
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
فإن قيل : إنما قال الله سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فلم قال : إنه أسرى إلى السماء . فالجواب أنه قال : إنما قال : أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى كان ابتدأ أمر المعراج كان المسري ، والعروج كان بعد الإسراء ، وقد أخبر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وهو الصادق المصدق ، والحكمة فيه والله أعلم أنه لو أخبر ابتدأ بعروجه إلى السماء لاشتد إنكارهم وعظم ذلك في قلوبهم ولم يصدقوه ، فأخبر بيت المقدس بها فلما تمكن ذلك في قلوبهم وبان لهم صدقة وقامت الحجة عليهم له ، أخبر بصعوده إلى السماء العليا وسدرة المنتهى وبقرينة حتّى دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ كما أسرينا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ الآية يعني أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ربّا وشريكا وكفيلا . قرأه العامّة : يتخذوا بالياء ، يعني قلنا لهم لا يتخذوا . وقرأ ابن عبّاس ومجاهد وأبو عمر : بالياء واختاره أبو عبيد قال : لأنه خبر عنهم ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ فأنجيناهم من الطوفان إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً . قال المفسرون : كان نوح ( عليه السلام ) إذا لبس ثوبا يأكل طعاما أو شرب شرابا . قال : الحمد لله ، فسمّي عَبْداً شَكُوراً . روى النظر بن شقي عن عمران بن سليم قال : إنما سمي نوح ( عليه السلام ) عَبْداً شَكُوراً لأنه كان إذا أكل طعاما قال : الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني ، فإذا شرب قال : الحمد لله الذي سقاني ولو أشاء أظماني وإذا اكتسى قال : الحمد لله الذي كساني ولو أشاء أعراني ، فإذا اهتدى قال : الحمد لله الذي هداني ولو أشاء لما هداني فإذا قضى حاجته قال : الحمد لله الذي أخرج عني الأذى في عافية ولو شاء لحبسه . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 4 إلى 8 ] وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ( 4 ) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً ( 5 ) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ( 6 ) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً ( 7 ) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ( 8 ) وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ إلى قوله حَصِيراً . روى سفيان بن سهيل عن منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش قال : سمعت حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم « إن بني إسرائيل لما اعتدوا وعتوا وقتلوا الأنبياء بعث الله عليهم