الثعلبي
35
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
الْحَرَّ . [ وقال ] أهل المعاني : [ أراد ] الحر والبرد فأكتفى بأحدهما عن الآخر بدلالة الكلام عليه نظيره قوله : إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى « 1 » يعني الهدي والإضلال . وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ يعني الدروع ولباس الحرب والمعنى : تقيكم في بأسكم السلاح أن يصل إليكم كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ يخضعون له بالطاعة ويخلصون له بالعبادة . وروى نوفل بن أبي [ عقرب ] عن ابن عبّاس أنه قرأ : ( يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَسْلِمُونَ ) بالفتح ، يعني من الجراحات . قال أبو عبيد : الاختيار قراءة العامّة ، لأن ما أنعم الله علينا في الإسلام أكثر من إنعامه علينا في السلامة من الجراح . وقال عطاء الخراساني في هذه الآية : إنما أنزل القرآن على قدر معرفتهم ألا ترى إلى قوله تعالى : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وما جعل لكم من السهول أعظم وأكثر ولكنهم كانوا أصحاب جبال . وقال : وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها وما جعل لهم من غير ذلك أعظم وأكثر ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر . الا ترى إلى قوله : وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ « 2 » وما ينزل من [ الثلج ] أعظم وأكثر ولكنهم كانوا لا يعرفونه ، ألا ترى إلى قوله : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وما يقي من البرد أعظم وأكثر ولكنهم ظلوا أصحاب حر . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ . يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ . قال السدي : يعني محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . ثُمَّ يُنْكِرُونَها يكذبون ويجحدون نبوّته . قال مجاهد : يعني ما عدد عليهم في هذه السورة من النعم ينكرون ذلك فيزعمون أنهم ورثوا ذلك عن آبائهم ، وبمثله قال قتادة « 3 » . وقال الكلبي : وإن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ذكر هذه النعم لهم فقالوا : نعم هذه كلها من الله تعالى ولكنها بشفاعة آلهتنا . وقال عون بن عبد الله : هو قول الرجل لولا فلان لكان كذا ، لولا فلان ما أصبت كذا .
--> ( 1 ) سورة الليل : 12 . ( 2 ) سورة النور : 43 . ( 3 ) تفسير القرطبي : 10 / 161 .