الثعلبي

309

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

لعمر أبيها لا تقول ظعينتي * ألا فرّ عنّي مالك بن أبي كعب « 1 » فكنى عن الظعينة في أبيها ثم أظهرها فيكون تأويل الكلام : فإذا الأبصار شاخصة أبصار الذين كفروا . والثاني : أن تكون هي عمادا كقوله « فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ » ، وكقول الشاعر : فهل هو مرفوع بما هاهنا رأس « 2 » والثالث : أن يكون تمام الكلام عند قوله هِيَ على معنى هي بارزة واقفة يعني : من قربها كأنّها آتية حاضرة ، ثم ابتدأ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا على تقديم الخبر على الابتداء مجازها : أبصار الذين كفروا شاخصة من هول قيام الساعة ، وهم يقولون يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا أي من هذا اليوم بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ بمعصيتنا ربّنا ووضعنا العبادة في غير موضعها . إِنَّكُمْ أيها المشركون وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني الأصنام حَصَبُ جَهَنَّمَ قراءة العامة بالصاد أي وقودها عن ابن عباس . وقال مجاهد وقتادة وعكرمة : حطبها ، وذكر أنّ الحصب في لغة أهل اليمن الحطب . الضحّاك : يعني يرمون بهم في النار كما يرمى بالحصباء ، وأصل الحصب الرمي يقال : حصبت الرجل إذا رميته ، قال الله سبحانه وتعالى إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً « 3 » يعني ريحا ترميهم بالحجارة وقرأ ابن عباس : حضب بالضاد ، وهو كل ما هيّجت وأوقدت به النار ، ومنه قيل لدقاق النار : حضب ، وقرأ علي وعائشة : ولا هو من حميد : حطب بالطاء نظيرها قوله سبحانه « وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ » * . أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ أي فيها داخلون لَوْ كانَ هؤُلاءِ الأصنام آلِهَةً على الحقيقة ما وَرَدُوها يعني ما دخل عابدوها النار ، بل منعتها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ يعني العابد والمعبود . لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ قال ابن مسعود في هذه الآية : إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من نار ، ثم جعل التوابيت في توابيت أخرى ، ثم جعلت التوابيت في أخرى فيها مسامير من نار ، فلا يسمعون شيئا ولا يرى أحد منهم أن في النار أحدا يعذّب غيره . ثم استثنى فقال سبحانه وتعالى إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ قال قوم من العلماء : إنّ ها هنا بمعنى

--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 11 / 342 . ( 2 ) جامع البيان للطبري : 1 / 565 . ( 3 ) سورة القمر : 34 .