الثعلبي

301

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

وقيل : ذو الكفل إلياس ، وقيل : هو زكريّا ، والله أعلم . وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ . وَذَا النُّونِ واذكر صاحب النون وهو يونس بن متّى إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً اختلفوا في معنى الآية ووجهها فقال الضحّاك : ذَهَبَ مُغاضِباً لقومه ، وهي رواية العوفي وغيره عن ابن عباس قال : كان يونس وقومه يسكنون فلسطين ، فغزاهم ملك فسبي منهم تسعة أسباط ونصف سبط وبقي سبطان ونصف ، فأوحى الله تعالى إلى شعيا النبي أن سر إلى حزقيا الملك وقل له حتى يوجّه نبيا قويّا أمينا فإنّي ألقي في قلوب أولئك حتى يرسلوا معه بني إسرائيل ، فقال له الملك : فمن ترى ؟ وكان في مملكته خمسة من الأنبياء ، فقال : يونس ، فإنّه قوي أمين ، فدعا الملك يونس وأمره أن يخرج ، فقال يونس : هل أمرك الله بإخراجي ؟ قال : لا ، قال : فهل سمّاني لك ؟ قال : لا ، قال : فهاهنا غيري أنبياء أقوياء أمناء ، فالحّوا عليه فخرج مغاضبا للنبىّ وللملك ولقومه ، فأتى بحر الروم فإذا سفينة مشحونة فركبها فلمّا تلججت السفينة تكفأت حتى كادوا أن يغرقوا فقال الملّاحون ، ها هنا رجل عاص أو عبد آبق ، ومن رسمنا أن نقترع في مثل هذا فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر . ولئن يغرق واحد خير من أن تغرق السفينة بما فيها ، فاقترعوا ثلاث مرّات فوقعت القرعة في كلّها على يونس . فقام يونس فقال : أنا الرجل العاصي والعبد الآبق ، وألقى نفسه في الماء فجاء حوت فابتلعه ، ثمّ جاء حوت آخر أكبر منه فابتلع هذا الحوت ، وأوحى الله إلى الحوت : لا تؤذ منه شعرة فإنّي جعلت بطنك سجنه ، ولم أجعله طعاما لك . وقال الآخرون : بل ذهب عن قومه مغاضبا لربّه إذ كشف عنهم العذاب بعد ما وعدهموه ، وذلك أنّه كره أن يكون بين قوم قد جرّبوا عليه الخلف فيما وعدهم ، واستحيا منهم ، ولم يعلم السبب الذي به دفع عنهم العذاب والهلاك ، فخرج مغاضبا وقال : والله لا أرجع إليهم كذّابا أبدا ، وإنّي وعدتهم العذاب في يوم فلم يأت . وفي بعض الأخبار : إنّ قومه كان من عادتهم أن يقتلوا من جرّبوا عليه الكذب ، فلمّا لم يأتهم العذاب للميعاد الذي وعدهم خشي أن يقتلوه ، فغضب وقال : كيف أرجع إلى قومي وقد أخلفتهم الوعد ؟ ولم يعلم سبب صرف العذاب عنهم ، وكيفية القصّة ، وذلك أنّه كان خرج من بين أظهرهم ، وقد ذكرت القصة بالشرح في سورة يونس . قال القتيبي : المغاضبة مفاعلة ، وأكثر المفاعلة من اثنين كالمناظرة والمخاصمة والمجادلة وربّما تكون من واحد كقولك : سافرت وعاقبت الرجل وطارقت النعل وشاركت الأمر ونحوها ، وهي هاهنا من هذا الباب ، فمعنى قوله : مُغاضِباً أي غضبان أنفا ، والعرب تسمّي الغضب أنفا ، والأنف غضبا لقرب أحدهما من الآخر ، وكان يونس وعد قومه أن يأتيهم العذاب لأجل ، فلمّا فات الأجل ولم يعذّبوا غضب وأنف أن يعود إليهم فيكذّبوه ، فمضى كالنادّ الآبق إلى السفينة ،