الثعلبي
290
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
قال الله سبحانه : انطلق فقد سلّطتك على ولده ، فانقضّ عدوّ الله حتى جاء بني أيّوب وهم في قصرهم فلم يزل يزلزل بهم حتى تداعى من قواعده ، ثم جعل يناطح جدره بعضها ببعض ويرميهم بالخشب والجندل حتى إذا مثّل بهم كلّ مثلة رفع بهم القصر وقلبه فصاروا منكّسين ، وانطلق إلى أيّوب متمثّلا بالمعلّم الذي كان يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ الوجه يسيل دمه ودماغه ، فأخبره بذلك وقال : يا أيوب لو رأيت بنيك كيف عذّبوا وكيف قلبوا فكانوا منكّسين على رؤوسهم ، تسيل دماؤهم ودماغهم من أنوفهم وأشفارهم وأجوافهم ، ولو رأيت كيف شقت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم لقطع قلبك ، فلم يزل يقول هذا ونحوه ويرقّقه حتى رقّ أيوب فبكى وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه ، فاغتنم إبليس ذلك فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيّوب مسرورا به ، ثمّ لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر ، فاستغفر وصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته ، فبدروا إبليس إلى الله سبحانه وهو أعلم ، فوقف إبليس خازيا ذليلا فقال : يا إلهي إنّما هوّن على أيّوب خطر المال والولد إنه يرى أنك ما متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد ، فهل أنت مسلطي على جسده ، فأنى لك زعم لئن ابتليته في جسده لينسينّك وليكفرنّ بك وليجحدنّك نعمتك . فقال الله سبحانه : انطلق فقد سلّطتك على جسده ، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه ولا على عقله ، وكان الله تعالى هو أعلم به ، لم سلطه عليه إلّا رحمة ليعظم له الثواب ويجعله عبرة للصابرين وذكرى للعابدين في كلّ بلاء نزل بهم ليتأسّوا به في الصبر ورّجاء الثواب . وانقض عدو الله إبليس سريعا فوجد أيوب ساجدا فعجّل قبل أن يرفع رأسه « 1 » فأتاه من قبل الأرض في موضع وجهه فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده فذهل وخرج به من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم وقعت فيه حكّة لا يملكها ، فحكّ بأظفاره حتى سقطت كلها ، ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها ، ثم حكها بالفخّار والحجارة الخشنة فلم يزل حكها حتى نفل لحمه وتقطع وتغير وأنتن . فأخرجه أهل القرية فجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشا ورفضه خلق الله كلهم غير امرأته ، وهي رحمة بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب ، وكانت تختلف إليه بما يصلحه ويلزمه ، فلما رأى الثلاثة من أصحابه وهم : اليفر ويلدد وصافر ما ابتلاه الله سبحانه ورفضوه من غير أن يتركوا دينه ، فلما طال به البلاء انطلقوا إليه وهو في بلائه فبكتوه ولاموه وقالوا له : تب إلى الله سبحانه من الذنب الذي عوقبت به ، قال : وحضر معهم فتى حديث السن وكان قد آمن به وصدّقه فقال لهم : إنكم تكلمتم أيها الكهول وكنتم أحق بالكلام لأسنانكم « 2 » ، ولكن قد تركتم من القول
--> ( 1 ) في نسخة أصفهان زيادة : من السجود . ( 2 ) كذا في المخطوط ، وفي تفسير الطبري : وأولى به مني لحق أسنانكم ، والأصح : لسنّكم .