الثعلبي

279

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ بأنّه أهل الهداية والنبوة . إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ والصور يعني الأصنام الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ على عبادتها مقيمون . قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ فاقتدينا بهم . قالَ إبراهيم لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ بعبادتكم إيّاها . قالُوا أَ جِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ يعنون أجادّ أنت فيما تقول أم لاعب ؟ قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ خلقهنّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ . وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ لأمكرنّ بها بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ . قال مجاهد وقتادة : إنّما قال إبراهيم هذا في سرّ من قومه ولا يسمع ذلك إلّا رجل واحد منهم ، وهو الذي أفشاه عليه وقال : سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ . قال السدّي : كان لهم في كلّ سنة مجمع وعيد ، فكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ، ثمّ عادوا إلى منازلهم ، فلمّا كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم له : يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا ، فخرج معهم إبراهيم فلمّا كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال : إِنِّي سَقِيمٌ يقول : أشتكي رجلي ، فتواطؤوا رجله وهو صريع ، فلمّا مضوا نادى في آخرهم وقد بقي ضعف الناس تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فسمعوها منه ، ثم رجع إبراهيم إلى الآلهة فإذا هنّ في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض ، كلّ صنم يليه أصغر منه إلى باب البهو ، وإذا هم قد جعلوا طعاما فوضعوه بين يدي الأصنام ، قالوا : إذا كان حين نرجع رجعنا وقد بركت الآلهة في طعامنا فأكلنا ، فلمّا نظر إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال لهم على طريق الاستهزاء : أَ لا تَأْكُلُونَ ؟ فلمّا لم يجبه أحد قال : ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ؟ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ ، وجعل يكسرهنّ بفأس في يده حتى إذا لم يبق إلّا الصنم الأكبر « 1 » علّق الفأس في عنقه ثم خرج ، فذلك قوله سبحانه فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً . قرأ يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي بكسر الجيم أي كسرا وقطعا جمع جذيذ وهو الهشيم ، مثل خفيف وخفاف وكريم وكرام ، وقرأ الباقون : بضمّه أي الحطام والدقاق إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ أي عظيما للآلهة فإنّه لم يكسره ووضع الفأس على عنقه لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ فيتذكّرون ويعلمون ضعفها وعجزها ، وقيل : لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ فيسألونه ، فلمّا جاء القوم من عيدهم إلى

--> ( 1 ) في نسخة أصفهان : الأعظم بدل الأكبر .