الثعلبي

207

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

قوله يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ فيه إضمار واختصار ، يعني فاستجاب دعاءه فقال : يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ولد ذكر اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قال قتادة والكلبي : لم يسمّ أحد قبله يحيى ، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس ، وقال سعيد بن جبير وعطاء : لم نجعل له شبيها ، ومثله دليله قوله تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا « 1 » أي مثلا وعدلا ، وهي رواية مجاهد عن ابن عباس ، وتأويل هذا القول أنّه لم يكن له مثل لأنّه لم يهمّ بمعصيته قط وقيل : لم يكن له مثل في أمر النساء لأنه كان سَيِّداً وَحَصُوراً وقال علي بن أبي طالب عن ابن عباس : لم تلد العواقر مثله ولدا ، وقيل : إن الله تعالى اشترط القبل لأنه جل ذكره أراد أن يخلق بعده من هو أفضل منه وهو محمّد عليه السلام ، وقيل : إنّ الله تعالى لم يرد بهذا القول جميع الفضائل كلّها ليحيى ، وقيل : إنما أراد في بعضها لأن الخليل والكم عليهما السلام كانا قبله وكانا أفضل منه . قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي وامرأتي عاقر كقوله كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا « 2 » أي من هو في المهد صبيّ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أي يبسا ، قال قتادة : نحول العظم يقال : ملك عات إذا كان قاسي القلب غير ليّن ، وقال أبو عبيد : هو كل مبالغ في شر أو كفر فقد عتا وعسا ، وقرأ أبيّ وابن عباس عسيّا ، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي عِتِيًّا بكسر العين ومثله جِثِيًّا * و صِلِيًّا وبكيّا والباقون بالضم فيهما وهما لغتان . قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ ، من قبل يحيى ، وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس ، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلّون إذ خرج عليهم زكريّا متغيرا لونه فأنكروه فقالوا له : ما لك يا زكريّا ؟ فَأَوْحى أي أومى إِلَيْهِمْ ، ويقال : كتب في الأرض أَنْ سَبِّحُوا وصلّوا لله عزّ وجلّ بُكْرَةً وَعَشِيًّا والسبحة الصلاة . قوله يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ بجدّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ يعني الفهم صَبِيًّا يعني في حال صباه ، وقال معمّر : جاء صبيان إلى يحيى بن زكريّا فقالوا : اخرج بنا نلعب ، فقال : ما للّعب خلقت ، فأنزل الله عزّ وجلّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا رحمة من عندنا ، قال الحطيئة لعمر بن الخطّاب : تحنّن علىّ هداك المليك * فإن لكلّ مقام مقالا « 3 »

--> ( 1 ) سورة مريم : 65 . ( 2 ) سورة مريم : 29 . ( 3 ) لسان العرب : 11 / 573 .