الثعلبي

155

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

وهلكت بعده قرون كثيرة . قال لهم تمليخا : فوالله ما هو بمصدّقي أحد من الناس بما أقول ، لقد كنا فتية ، وإن الملك أكرهنا على عبادة الأوثان والذبح للطواغيت فهربنا منه عشية أمس فنمنا ، فلما انتبهنا خرجت لأشتري لأصحابي طعاما وأتجسّس الأخبار فإذا أنا كما ترون ، فانطلقوا معي إلى الكهف الذي في جبل ينجلوس أركم أصحابي . فلما سمع أرموس ما يقول تمليخا ، قال : يا قوم لعلّ هذه آية من آيات الله عزّ وجلّ جعلها لكم على يدي هذا الفتى ، فانطلقوا بنا معه يرنا أصحابه كما قال . فانطلق معهم أرموس وأسطيوس وانطلق معهما أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصحاب الكهف ينظرون إليهم . ولمّا رأى الفتية أصحاب الكهف أن تمليخا قد احتبس عليهم بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتي به ، ظنوا أنه قد أخذ فذهب به إلى ملكهم دقيانوس الذي هربوا منه ، فبينا هم يظنون ذلك ويتخوفون إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل مصعدة نحوهم ، وظنوا أنهم رسل دقيانوس الجبّار وأنه بعث إليهم ليؤتى بهم ، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاة ، وسلّم بعضهم على بعض ، وقالوا : انطلقوا بنا نأت أخانا تمليخا ، فإنه الآن بين يدي الجبّار دقيانوس ينتظر متى نأتيه ، فبينا هم يقولون ذلك ، وهم جلوس بين ظهراني الكهف ، فلم يروا إلّا أرموس وأصحابه وقوفا على باب الكهف ، وسبقهم تمليخا فدخل عليهم وهو ويبكي ، فلما رأوه « 1 » يبكي ، بكوا معه وسألوه عن شأنه ، فأخبرهم بخبره وقصّ عليهم النبأ كلّه فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا نياما بأمر الله ذلك الزمان كلّه ، وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس ، وتصديقا للبعث ، وليعلموا أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها . ثمّ دخل على آثر تمليخا أرموس فرأى تابوتا من نحاس مختوما بخاتم من فضة فقام بباب الكهف ، ثمّ دعا رجالا من عظماء المدينة ففتح التابوت عندهم فوجدوا فيه لوحين من رصاص مكتوبا فيها : ( إن مكسلمينا ومجسلمينا وتمليخا ومرطولس وكسوطونس وبيوسرس وتكريوس وبطينوس « 2 » كانوا فتية هربوا من ملكهم دقيانوس الجبار مخافة أن يفتنهم عن دينهم ، فدخلوا هذا الكهف ، فلمّا أخبر بمكانهم أمر بالكهف فسدّ عليهم بالحجارة ، وإنا كتبنا شأنهم وخبرهم ليعلمه من بعدهم إن عثروا عليهم . فلمّا رأوه عجبوا وحمدوا الله الذي أراهم آية البعث فيهم ، ثمّ إنهم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه ، ثمّ دخلوا على فتية الكهف فوجدوهم جلوسا بين ظهرانيه مشرقة وجوههم ، لم تبل

--> ( 1 ) في المخطوط : رأوهم . ( 2 ) يلاحظ أن المعدود ثمانية لا سبعة .