الثعلبي

359

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

لهم أبو بكر - رضي الله عنه - : سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول : « نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركنا صدقة » فانصرفا « 1 » [ 234 ] . « 2 » .

--> ( 1 ) مسند أحمد : 1 / 4 ، وليس فيه فانصرفا . ( 2 ) قال ابن طاوس في الطرائف : ومن الطرائف العجيبة ما تجدّدت على فاطمة ( عليها السلام ) بنت محمّد ( صلى اللّه عليه وآله ) نبيّهم من الأذى والظلم وكسر حرمتها وحرمة أبيها والاستخفاف بتعظيمه لها وتزكيتها ، كما تقدّمت رواياتهم عنه في حقّها من الشهادة بطهارتها وجلالتها وشرفها على سائر النسوان وأنّها سيّدة نساء أهل الجنّة . فذكر أصحاب التواريخ في ذلك رسالة طويلة تتضمّن صورة الحال أمر المأمون الخليفة العباسي بإنشائها وقراءتها في موسم الحج . وقد ذكرها صاحب التاريخ المعروف بالعبّاسي وأشار الروحي الفقيه صاحب التاريخ إلى ذلك في حوادث سنة ثماني عشرة ومائتين جملتها : أن جماعة من ولد الحسن والحسين ( عليهما السلام ) رفعوا قصة إلى المأمون الخليفة العباسي من بني العبّاس يذكرون أن فدك والعوالي كانت لأمّهم فاطمة بنت محمّد ( صلى اللّه عليه وآله ) نبيّهم ، وان أبا بكر أخرج يدها عنها بغير حق ، وسألوا المأمون انصافهم وكشف ظلامتهم ، فأحضر المأمون مائتي رجل من علماء الحجاز والعراق وغيرهم وهو يؤكّد عليهم في أداء الأمانة واتباع الصدق ، وعرفهم ما ذكره ورثة فاطمة في قضيتهم وسألهم عمّا عندهم من الحديث الصحيح في ذلك . فروى غير واحد منهم عن بشير بن الوليد والواقدي وبشر بن عتاب في أحاديث يرفعونها إلى محمّد ( صلى اللّه عليه وآله ) نبيّهم لما فتح خيبر اصطفى لنفسه قرى من قرى اليهود ، فنزل عليه جبرائيل ( عليه السلام ) بهذه الآية ( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) ( الإسراء : 26 . ) . فقال محمّد ( صلى اللّه عليه وآله ) : ومن ذو القربى وما حقّه ؟ قال : فاطمة ( عليها السلام ) تدفع إليها فدك ، فدفع إليها فدك . ثم أعطاها العوالي بعد ذلك ، فاستغلتها حتى توفي أبوها محمّد ( صلى اللّه عليه وآله ) فلمّا بويع أبو بكر منعها أبو بكر منها ، فكلّمته فاطمة ( عليها السلام ) في ردّ فدك والعوالي عليها وقالت له : انها لي وان أبي دفعها إليّ . فقال أبو بكر : ولا أمنعك ما دفع إليك أبوك . فأراد أن يكتب لها كتابا فاستوقفه عمر بن الخطاب وقال : إنها امرأة فادعها بالبيّنة على ما ادّعت ، فأمر أبو بكر أن تفعل ، فجاءت بأمّ أيمن وأسماء بنت عميس مع علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) فشهدوا لها جميعا بذلك ، فكتب لها أبو بكر ، فبلغ ذلك عمر فأتاه فأخبره أبو بكر الخبر ، فأخذ الصحيفة فمحاها ( ذكره في السيرة الحلبية : 3 / 362 ط . بيروت المكتبة الاسلامية ومصر 1320 ه - نعم بلفظ : شق عمر الكتاب ) فقال : إن فاطمة امرأة وعلي بن أبي طالب زوجها وهو جار إلى نفسه ولا يكون بشهادة امرأتين دون رجل . فأرسل أبو بكر إلى فاطمة ( عليها السلام ) فأعلمها بذلك ، فحلفت بالله الذي لا إله إلّا هو أنّهم ما شهدوا إلّا بالحق . فقال أبو بكر : فلعل أن تكوني صادقة ولكن احضري شاهدا لا يجر إلى نفسه . فقالت فاطمة : ألم تسمعا من أبي رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) قول : أسماء بنت عميس وأم أيمن من أهل الجنّة ؟ فقالا : بلى . فقالت : امرأتان من الجنة تشهدان بباطل ! فانصرفت صارخة تنادي أباها وتقول : قد أخبرني أبي بأنّي أوّل من يلحق به ، فوالله لأشكونهما ، فلم تلبث أن مرضت فأوصت عليا أن لا يصلّيا عليها وهجرتهما فلم تكلّمهما حتى ماتت ، فدفنها علي ( عليه السلام ) والعباس ليلا فدفع المأمون الجماعة عن مجلسه ذلك اليوم ، ثم أحضر في اليوم الآخر ألف رجل من أهل الفقه والعلم وشرح لهم الحال وأمرهم بتقوى الله ومراقبته ، فتناظروا واستظهروا ثم افترقوا فرقتين ، فقالت طائفة منهم : الزوج عندنا جار إلى نفسه فلا شهادة له ، ولكنّا نرى يمين فاطمة قد أوجبت لها ما ادّعت مع شهادة الامرأتين ، وقالت طائفة : نرى اليمين مع الشهادة لا توجب حكما ولكن شهادة الزوج عندنا جائزة ولا نراه جارا إلى نفسه ، فقد وجب بشهادته مع شهادة الامرأتين لفاطمة ( عليها السلام ) ما ادّعت ، فكان اختلاف الطائفتين إجماعا منهما على استحقاق فاطمة ( عليها السلام ) فدك والعوالي . فسألهم المأمون بعد ذلك عن فضائل لعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، فذكروا منها طرفا جليلة قد تضمّنه رسالة المأمون ، وسألهم عن فاطمة ( عليها السلام ) فرووا لها عن أبيها فضائل جميلة ، وسألهم عن أمّ أيمن وأسماء بنت عميس فرووا عن نبيّهم محمّد ( صلى اللّه عليه وآله ) انّهما من أهل الجنّة ، فقال المأمون : أيجوز أن يقال أو يعتقد أن علي بن أبي طالب مع ورعه وزهده يشهد لفاطمة بغير حق ؟ وقد شهد الله تعالى ورسوله بهذه الفضائل له ، أو يجوز مع علمه وفضله أن يقال إنه يمشي في شهادة وهو يجهل الحكم فيها ؟ وهل يجوز أن يقال إن فاطمة مع طهارتها وعصمتها وانها سيّدة نساء العالمين وسيّدة نساء أهل الجنّة كما رويتم تطلب شيئا ليس لها ، تظلم فيه جميع المسلمين وتقسم عليه بالله الذي لا إله إلّا هو ؟ أو يجوز أن يقال عن أمّ أيمن وأسماء بنت عميس انّهما شهدتا بالزور وهما من أهل الجنّة ؟ إن الطعن على فاطمة وشهودها طعن على كتاب الله وإلحاد في دين الله ، حاشا الله أن يكون ذلك كذلك . ثم عارضهم المأمون بحديث رووه أن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) أقام مناديا بعد وفاة محمّد ( صلى الله عليه وآله ) نبيّهم ينادي : من كان له على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) دين أو عدّة فليحضر ، فحضر جماعة فأعطاهم علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ما ذكروه بغير بيّنة ، وان أبا بكر أمر مناديا ينادي بمثل ذلك فحضر جرير بن عبد الله وادّعى على نبيّهم عدّة فأعطاها أبو بكر بغير بيّنة ، وحضر جابر بن عبد الله وذكر أن نبيّهم وعده أن يحثو له ثلاث حثوات من مال البحرين ، فلما قدم مال البحرين بعد وفاة نبيّهم أعطاه أبو بكر الثلاث الحثوات بدعواه بغير بيّنة . ( قال عبد المحمود ) : وقد ذكر الحميدي هذا الحديث في الجمع بين الصحيحين في الحديث التاسع من أفراد مسلم من مسند جابر وان جابرا قال : فعددتها فإذا هي خمسمائة فقال أبو بكر خذ مثليها ( راجع صحيح مسلم : 4 1807 كتاب الفضائل ح 4278 ، وفتح الباري بشرح البخاري : 4 / 598 ح 2296 كتاب الكفالة باب من تكفل عن يتيم ) . قال رواة رسالة المأمون : فتعجّب المأمون من ذلك وقال : أما كانت فاطمة وشهودها يجرون مجرى جرير بن عبد الله وجابر بن عبد الله ، ثم تقدّم بسطر الرسالة المشار طليها وأمر أن تقرأ بالموسم على رؤوس الاشهاد ، وجعل فدك والعوالي في يد محمد بن يحيى بن الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) يعمرها ويستغلها ويقسم دخلها بين ورثة فاطمة بنت محمّد ( صلى الله عليه وآله ) نبيّهم . انتهى . ( ذكر بعض هذه الأمور المسعودي في مروج الذهب : 2 / 402 ط . مصر و 4 / 51 ط . بيروت ، والسقيفة وفدك : 103 . 146 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد : 1 / 56 شرح الخطبة 26 و 16 / 210 إلى 286 ، وسيرة ابن هشام : 3 / 301 ، وبلاغات النساء : 26 . 28 . 30 : وتاريخ الذهبي : 3 / 21 ، وكنز العمال : 5 / 585 و 636 ح 14040 و 14101 و 14045 و 14120 و 14097 )