الثعلبي
316
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
جَمَعُوا لَكُمْ « 1 » مفردا ، تم الكلام هاهنا ثمّ قال : فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يعني أهل مكة . واختلف العلماء في تأويل الشرك المضاف إلى آدم وحواء فقال المفسرون : كان شركاء في التسمية والصفة لا في العبادة والربوبية . وقال أهل المعاني : أنهما لم يذهبا إلى أن الحرث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحرث لكنهما قصدا إلى أن الحرث سبب نجاة الولد وسلامة أمّه فسمياه ، كما [ يسمى ] ربّ المنزل ، وكما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له لا على أن الضيف ربّه . كما قال حاتم : وإنّي لعبد الضيف ما دام ثاويا * وما فيّ إلّا تلك من شيمة العبد « 2 » وقال قوم من أهل العلم : إن هذا راجع إلى المشركين من ذرية آدم وإن معناه جعل أولادهما له شركاء فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم كقوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ « 3 » وكما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء في تفريقهم بفعل آبائهم ، فقال لليهود الذين كانوا في عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ * . وقال وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها . وقال سبحانه : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ « 4 » ونحوها ، ويدل عليه ما روى معمر عن الحسن قال : عني بهذا من أشرك من ذرية آدم ولم يكن عنى آدم . وروى قتادة عنه قال : هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادا فهودوا ونصّروا . وقال ابن كيسان : هم الكفار جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ * عبد العزى وعبد مناة . وقال عكرمة : لم يخص بها آدم ولكن جعلها عامة لجميع بني آدم من بعد آدم . قال الحسين بن الفضل : وهذا حجب إلى أهل النظر لما في القول الأول من إلصاق العظائم بنبي الله آدم ( عليه السلام ) ويدل عليه جمعه في الخطاب حيث قال : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ، ثمّ قال : فَلَمَّا تَغَشَّاها انصرف من ذلك الخطاب إلى الخبر يعني فلما تغشى الرجل منكم امرأته . قال الله عزّ وجلّ : أَ يُشْرِكُونَ يعني كفار مكة ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ يعني الأصنام . قال ابن زيد : ولد لآدم ولد فسمياه عبد الله فاتاهما إبليس فقال : ما سميتما ابنكما هذا ؟
--> ( 1 ) سورة آل عمران : 173 . ( 2 ) تاريخ دمشق : 16 / 421 . ( 3 ) سورة يوسف : 82 . ( 4 ) سورة البقرة : 91 .