الثعلبي

215

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

حروف تحوي معاني كثيرة ، وقيل : اللّه بها خلقه على مراده كلّه من ذلك ، وموضعه رفع بالابتداء و كِتابٌ خبره كأنّه قال : ( المص ) حروف كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ، وقيل : كِتابٌ خبر ابتدأ في هذا كتاب . وقيل رفع على التقديم والتأخير ، يعني أنزل كتاب إليك وهو القرآن فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ قال أبو العالية : ضيق ، وقال مجاهد : تنك ، وقال الضحاك : إثم ، وقال مقاتل : فلا يكن في قلبك شك في القرآن . إنّه من اللّه ، وقيل : معناه لا أطبق قلبك بإنذار من أرسلتك بإنذاره وإبلاغ من أمرتك بإبلاغه إياه وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي عظة لهم وموعظة ، وموضعه رفع مردود على الكتاب . وقيل : هو نصب على المصدر تقديره ويذكر ذكرى . ويجوز أن يكون في موضع الخفض على معنى لِتُنْذِرَ في موضع خفض ، والمعنى الإنذار والذكرى ، وأمّا ذِكْرى فمصدر فيه ألف التأنيث [ بمنزلة ] دعوت دعوى ورجعت رجعي إلّا أنّه اسم في موضع المصدر . اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أي قل لهم : اتبعوا ولا تتبعوا من دونه أولياء . قرأ العامّة بالعين من الاتباع ، وروى عاصم الجحدري عن أبي [ الشيخ ] ومالك بن دينار « ولا تبتغوا » بالغين المعجمة أي لا تطلبوا قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها بالعذاب وموضع ( كَمْ ) الرفع بالابتداء وخبره في ( أَهْلَكْناها ) وإن شئت نصبته برجوع الهاء ، فَجاءَها بَأْسُنا عذابنا بَياتاً ليلا [ كما يأت بالعساكر ] أَوْ هُمْ قائِلُونَ يعني نهارا في وقت [ القائلة ] وقائلون نائمون ظهيرة ، ومعنى الآية : ( أَوْ هُمْ قائِلُونَ ) يعني : إن من هذه القرى ما أهلكت ليلا ومنها ما أهلكت نهارا وإنّما حذفوها [ لاستثقالهم ] نسقا على نسق ، هذا قول الفراء ، وجعل [ الزجاج ] بمعنى أو [ التحيّر ] والإباحة تقديره : جاءهم بأسنا مرّة ليلا ومرّة نهارا فَما كانَ دَعْواهُمْ أي قولهم ودعاؤهم مثل قوله تعالى فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ « 1 » قال الشاعر : وإن مذلت رجلي دعوتك أشتفي * بدعواك من مذل بها فتهون « 2 » مذل رجله إذا خدرت إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا عذابنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ مسيئين آثمين ولأمره مخالفين أقرّوا على أنفسهم . روى ابن مسعود عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما هلك قوم حتّى يعذروا من أنفسهم . قال : قلت : كيف يكون ذلك ؟ فقرأ هذه الآية : فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا الآية [ 171 ] « 3 » .

--> ( 1 ) سورة الأنبياء : 15 . ( 2 ) لسان العرب : 11 / 621 . ( 3 ) مسند أحمد 4 / 260 ، وليس فيه ذكر الآية .