الثعلبي

190

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

وبعد ذلك سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ « 1 » . فلما كان حالات أهل الجنة مقرونة بالسلام إما من الخلق وإما من الحق سمّاها اللّه دار السلام وَهُوَ وَلِيُّهُمْ ناصرهم ومعينهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . قال الحسن بن الفضل : يعني يتولاهم في الدنيا بالتوفيق وفي الآخرة بالجزاء . وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً الجن والإنس يجمعهم في يوم القيامة فيقول : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ أي من إضلال الناس وإغوائهم وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ الذين أطاعوهم رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ . قال الكلبي : استمتاع الإنس بالجن . هو أن الرجل إذا سافر أو خرج فمشى بأرض قفر أو أصاب صيدا من صيدهم فخاف على نفسه منهم . فقال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه فيثبت جواز منهم ، واستمتاع الجن بالإنس هو أن قالوا : قد سدنا الإنس مع الجن حتى عاذوا بنا فيزدادون شرفا في قومهم وعظما في قومهم وهذا معنى قوله تعالى وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ . الآية . وقال محمد بن كعب وعبد العزيز بن يحيى : هو طاعة بعضهم بعضا وموافقة بعضهم بعضا وقيل : استمتاع الإنس بالجن بما كانوا يأتون إليهم . من الأراجيف والسحر والكهانة ، فاستمتاع الجن بالإنس إغراء الجن الإنس واتباع الإنس إياهم وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا يعني الموت والبعث . قال اللّه تعالى قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ يعني قدّر مدة ما بين بعثهم إلى دخولهم جهنم . قال ابن عباس : هذا الاستثناء هو أنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على اللّه في خلقه لا يولهم جنة ولا نارا . وقال الكلبي : إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وكان ما شاء اللّه أبدا . وقيل : معناه النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها سوى ما شاءَ اللَّهُ من أنواع العذاب وقيل : إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ من إخراج أهل التوحيد من النار . وقيل : إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أن يزيدهم من العذاب فيها . وقيل : إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ من كونهم في الدنيا بغير عذاب . وقال عطاء : إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ من الحق في عمله أن يؤمن فمنهم من آمن من قبل الفتح ومنهم من آمن من بعد الفتح .

--> ( 1 ) سورة يس : 58 .